تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
الجزء ١ · صفحة ١٩٤194
تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
فالغزالي أخذ من المنطق ما هو ضروري لعلم أصول الفقه، فإذا وجد طبيعة البحث تقوده إلى بعض مباحث أو موضوعات المنطق فإنه يناقشها بقدر محدد ويعقب بالتنويه على ذلك قائلاً: «وبعد أن عرفناك إسرافهم في هذا الخلط فإنا لا نرى أن نُخْلي هذا المجموع عن شيء منه لأن الفطام عن المألوف شديد، والنفوس عن الغريب نافرة، ولكنا نقتصر من ذلك على ما تظهر فائدته على العموم في جملة العلوم من تعريفه مدارك القول وكيفية تدرجها من الضروريات إلى النظريات على وجه تبين فيه حقيقة العلم والنظر والدليل وأقسامها».
أصبحت المنهجية الغزالية المنطقية واضحة المعالم تماماً في كتاب المستصفى» وخصوصاً في مقدّمة الكتاب، حيث دمج الغزالي القياس المنطقي بالقياس الأصولي وتم تطعيم المنطق بالمعاني الإسلامية ومرت بعمليات التوقيف إلى أن انتهت عملية التوقيف بالتطويع والتبديل وأصبح نتاجها المنطق بحلته الإسلامية وثوبه الجديد.
وهكذا نهج الأصوليون والمتكلمون من بعده متأثرين بهذه المنهجية واضعين للمنطق أبواباً وفصولاً في مقدمات كتبهم عرفت بالمقدمات المنطقية أو المقدمات
الكلامية.
ويظهر ذلك في مباحث الألفاظ وعوارض الأدلة كالعموم والخصوص، أو الدلالة كالمشترك اللفظي والترادف وأنواع الدلالات، وأنواع العلم الحادث والاستقراء، وغير ذلك كنظرية الحد وشروطه.
وقد أخضع الأصوليون والمتكلمون هذه المباحث الكلامية والمنطقية إلى إثباتها بالدليل النقلي، كما فعلوا ذلك في البراهين المنطقية التي جعلوا مقدماتها نقلية قطعية من كتاب الله تعالى.
وقد مرت الأمثلة على ذلك أثناء الكلام على الآمدي، وابن الحاجب
والزركشي.
(1) انظر: «المنطق عند إمام الحرمين الشاهين 15 - 18 - 19 - 22.