تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
الجزء ١ · صفحة ١٩٥الفصل الثاني: في دخول علم المنطق في علم أصول الفقه
المطلب الخامس: كيف استثمر الأصوليون مباحث المنطق
وجد الأصوليون حاجة ماسة لبعض مباحث المنطق، منها ما يتعلق بتفسير النصوص، ومنها ما يتعلق بدلالة الألفاظ، ومنها ما يتعلق بعوارض الأدلة، ومنها ما يتعلق ببعض الأدلة الشرعية كالقياس والاستقراء، وسوف أفرد لكل بحث فرعاً
يظهر فه كيفية استخدام الأصوليين له.
الفرع الأول: في أنواع العلم الحادث
بحث المناطقة هذه المسألة وقسموه إلى قسمين إدراك مفرد وإدراك نسبة: فالأول يسمى تصوراً، وهو حصول صورة الشيء في الذهن كإدراكنا معنى العالم، أو الحدوث. والثاني المسمى تصديقاً وهو عند الرازي إدراك الماهية مع الحكم عليها بالإثبات والنفي وعند المناطقة مجرد إدراك النسبة خاصة.
فعلى مذهب المناطقة: إنَّ التصديق من قولك: العالم حادث مجرد إدراك نسبة الحدوث إلى العالم، وعند الأصوليين: المجموع من إدراك وقوع النسبة وتصور العالم والحدوث والنسبة
ثم قسموا التصديق إلى جازم وغير جازم:
فالأول: إن لم يقبل التغير فعلم كالعلم بأن الجبل حجر والإنسان متحرك. وإن قبل، فاعتقاد إما صحيح إن طابق كتوحيد المقلدين من المسلمين، وإما فاسد إن لم يطابق، وغير الجازم ما قارنه احتمال إما ظن إن ترجح على مقابله أو وهم وهو مقابله، أو شك إن تساويا). هذا المبحث استثمره علماء الأصول وعلماء الكلام في صياغة البرهان العقلي على وجود الصانع الحكيم فقالوا: العالم متغيّر وكل متغير حادث وكل حادث لا بد له من محدث وهو الله تعالى وهذا من مقتضيات التصديق على مذهب الأصوليين
(1) شرح الأخضري في سلّمه ص 108.