تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه عند الإباضية والأشاعرة والمعتزلة والحنابلة محمود مصطفى عبود آل هرموش [دارس عن الإباضية]

تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه

الجزء ١ · صفحة ٢١١

الفصل الثاني: في دخول علم المنطق في علم أصول الفقه

211

إلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُورًا} [الأنعام: 145]، فقد قيد الدم بكونه مسفوحاً، فهنا اتحد المطلق والمقيد في الحكم وهو التحريم والسبب وهو نجاسة الدم فيحمل المطلق على المقيد بالاتفاق.

وإن اختلفا في الحكم والسبب فلا يحمل المطلق على المقيد بالاتفاق. مثال قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6)، مع قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَارِقَةُ فَأَقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 138، فاليد في القطع مطلقة وفي الوضوء مقيدة إلى المرافق فهنا لا يحمل المطلق على المقيد لاختلاف المطلق مع المقيد في السبب وموضوع الحكم.

وإن اتحدا في الحكم واختلفا في السبب، كقوله تعالى: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسًا) (المجادلة (4)، مع قوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَنًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ: إِلَّا أَن يَصَدَقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُةٍ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِن فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92) فالحكم واحد وهو وجوب تحرير رقبة، والسبب مختلف، ففي المطلق هو العَوْدُ وفي المقيد القتل الخطأ، فهنا حصل خلاف بين الأصوليين في حمل المطلق على المقيد، فعند الجمهور يحمل المطلق على المقيد وعند الحنفية لا يحمل المطلق على المقيد.

وإن اتحدا في السبب واختلفا في موضوع الحكم، كقوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ وَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6]، مع قوله: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ} [المائدة: 6]. فاليد في التيمم مطلقة في الوضوء مقيدة بكونها إلى المرافق، فهنا لا يحمل المطلق على المقيد اتفاقاً، وإنما المسح إلى المرفقين في التيمم عند من أوجبه فمأخوذ من السُّنَّة وليس من حمل المطلق على المقيد.

(1) انظر: «غاية المأمول ص 566 - 567 - 568 - 569، و «طلعة الشمس» 187/ 1.