تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
الجزء ١ · صفحة ٢١٦216
تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
صغرى قياس، وحاصل الجملة الثانية أن لا أحد من الأصنام بفاعل ذلك، وهذه في قوة مقدمة هي كبرى قياس وهو من الشكل الثاني، وحاصل معنى تنزيه الله عن الشريك أن لا شيء من الأصنام بإله وهذه نتيجة قياس من الشكل الثاني، ودليل المقدمة الصغرى إقرار الخصم، ودليل المقدمة الكبرى العقل.
الشكل الثالث:
وقد مثل العلامة ابن عاشور للشكل الثالث بقوله تعالى: ﴿إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: 7].
قال الله: «إن من عباد الله كثيراً كافرين وقد أخبر الله تعالى أنه لا يرضى لعباده الكفر، وثبت بالدليل أن كل واقع هو مراد الله تعالى، إذ لا يقع في ملكه ما لا يريد، فأنتج بطريقة الشكل الثالث أن يقال: كفر الكافر مراد الله تعالى لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: 112]، ولا شيء من الكفر بمرضي الله تعالى لقوله تعالى: {وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ) [الزمر: 7] يُنتج القياس: بعض ما أراد الله ليس بمرضي، فتعين أن تكون الإرادة والرضى حقيقتين مختلفتين وأن يكون لفظهما غير مترادفين. ولهذا قال الشيخ أبو الحسن الأشعري: إن الإرادة غيرُ الرضى والرضى غير الإرادة، فالإرادة والمشيئة بمعنى واحد والرضى والمحبة والاختيار بمعنى واحد» (3).
وهكذا فإن علماء التفسير والعقيدة والأصول قد استثمروا هذه الأقيسة بمختلف أشكالها للاستدلال والاستنباط. وهذا القدر كافٍ في بيان استفادة علماء الأصول والكلام والتفسير من الأبحاث المنطقية وتسخيرها لاستنباطات الأحكام الشرعية. المثال الثالث: وقد مثل به الإمام القاسمي عند تفسير قول الله تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ
أكبرُ شَهدَةٌ قُلِ اللَّهُ شَهِيدُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} [الأنعام: 19].
(1) التحرير والتنوير 108/ 21 الدار التونسية للنشر، تونس. (2) «التحرير والتنوير، 339/ 23