تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
الجزء ١ · صفحة ٢٢22
تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
الآثار السلبية لإعمال العقل خارج الكون
لقد ارتكس العقل حينما أعمل فيما وراء الكون حينما أراد أن يعرف حقيقة الغيب وكنهه فحاول أن يتعرف على حقيقة الرب وهي غيب ومعرفة حقيقة صفاته وهي غيب، حاول أن يبحث في القدر وهو غيب ودور العقل التصديق بما جاءنا عن الخبر الصادق وليس التفكير في ذات الرب وصفاته لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله فإنكم لن تقدروا قدره (1) فأصيب القلب بالزيغ حينما اتبع متشابهات القرآن والسُّنَة ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله كما قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ وَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبَّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبَبِ) [آل عمران: 7] ولم يحصل في
الأمة من الفتن بقدر ما حصل من اتباع المتشابه والبحث في ما وراء الكون. وكان من نتيجة ذلك أن هذا الصنف من الناس تعامل مع الغيبيات معاملته مع الحسيات وأجرى أمور الغيب على مقتضى الحس فسمع قول الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا فأجراه على الحركة والانتقال وصار يبحث هل خلا العرش من الذات أو لم يخل بحثاً يقف له شعر الرأس. ويستوجب على باحثه الضرب والتنكيل وسمع قوله تعالى: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسُ بحسرتَى عَلَى مَا فَرَّطَتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ [الزمر: 56] فقال نثبت الله جنباً بهذه الآية! ولا أدري كيف يثبت الله جنباً تهيأ التفريط به وقال آخر: ما سمعنا بذكر الرأس وكأنه يريد أن يجمع إلهه من هذه الأبعاض فاكتمل منقوص الرأس في نظره تعالى الله عما يقول المشبهة علواً كبيراً، وقس على ذلك بقية ما ينسبونه إلى الرب تعالى من إضافات.
•
ثم حصل البحث في القدر وفي مسألة علم الله وخلق أفعال العباد ومسألة حرية العبد فخرجت القدرية، والأشعرية والماتريدية والخوارج وغيرهم.
(1) المعجم الأوسط، أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، ت: طارق بن عوض الله وعبد المحسن الحسيني، دار الحرمين - القاهرة، برقم: 6319، 6/ 250.