تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه عند الإباضية والأشاعرة والمعتزلة والحنابلة محمود مصطفى عبود آل هرموش [دارس عن الإباضية]

تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه

الجزء ١ · صفحة ٢٣

23

المقدمة

ثم بحثت مسألة كلام الله هل هو قديم أو مخلوق فكانت الجهمية، والأشعرية والإباضية والحنبلية وجرى في ذلك التبديع والتكفير وحصلت فتن هوجاء طار شررها وحمي أوارها وكل هذه مسائل خارجة عن نطاق العقل وليس فيها تكليف ألبتة.

لقد كانت محنة العقل أنه أعمل خارج نطاق الحواس وفيما وراء الكون وفسر النصوص تفسيراً مادياً وحسياً وحاد عن القانون الذي سار عليه النبي وأصحابه الكرام من الإيمان به ورد علم حقيقته إلى الرب. وهذا هو القانون القويم الذي سلكه السلف الصالح في القرون المفضلة، فقد تلقوا القرآن من فم الصادق المصدوق عاملين بمحكمه مؤمنين بمتشابهه على مراد الله تعالى واضعين نصب أعينهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضاً فما علمتموه فاعملوا به وما لم تعلموه فآمنوا به».

2

وقول ابن عباس: «تفسير القرآن على أربعة وجوه فتفسير يعلمه العلماء، وتفسير

لا

لا يعذر الناس بجهالته من حلال وحرام، وتفسير تعرفه العرب بلغتها، وتفسير يعلمه إلا الله، من ادعى علمه فهو كاذب» (2) حتى خلف من بعدهم خلف تنكبوا هذا القانون فأهملوا محكمه واتبعوا متشابهه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وليس اتباعاً مبنياً على غرض صحيح، فإن الغرض من الكتاب العزيز هو العمل بأحكامه والوقوف عند حدوده و تحليل حلاله وتحريم حرامه والإيمان بمتشابهه إيماناً بأنه كلام الله استأثر الله بعلمه وصار مثلهم ولله المثل الأعلى، كمثل سيد له عبيد يعملون بأمرته، كتب هذا السيد لعبيده وغلمانه كتاباً وأمرهم أن ينفذوا ما فيه من وصايا وأحكام فأهمل هؤلاء العبيد كتاب سيدهم واختلفوا في نوع خطه هل هو ديواني أو كوفي أو غير ذلك، وفي نوع الورق الذي كتب عليه الكتاب وفي نوع الحبر ومتى كُتب فيه فاقتتلوا في ذلك ولم ينفذوا ما في الكتاب حتى وقع غضبه عليهم. هذا حال المسلمين مع كتاب الله،

(1) مسند أحمد، ت شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، برقم: 6703، 11/ 305. (2) تفسير القرآن لأبي بكر ابن المنذر النيسابوري، ت: سعد السعد، دار الآثار - المدينة المنورة، 131/ 1، برقم: 255.