تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه عند الإباضية والأشاعرة والمعتزلة والحنابلة محمود مصطفى عبود آل هرموش [دارس عن الإباضية]

تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه

الجزء ١ · صفحة ٢٢٨

228

تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه

المبحث الثالث

الموقف الوسط من علم الكلام

إن المستقرئ لكلام الفريقين من أئمة الإسلام ممن منع أو أجاز الاشتغال بعلم الكلام يجد أن مواقفهم موزعة على موضعين.

فمن منع من الاشتغال به إنما قصده إبعاد الكلام عن المسائل المتشابهة وفتق الكلام فيما يعسر فهمه من الأمور المشكلة التي لا طائل من البحث فيها لكونها لا تحمل تكليفاً عملياً في أحكام الشريعة، وإنما سبيلها الإيمان بها على مراد الله بعد نفي لوازمها من التشبيه والتجسيم، أو لكون الخوض فيها يترك آثاراً سيئة في الأمة ويزرع فيها الفرقة والشقاق ويدفع إلى التبديع والتضليل والتكفير، كما حصل في فتنة خلق القرآن فقد تركت آثاراً سيئة حتى ضمن المذهب الواحد والمشرب الواحد. فقد نتج عن الخوض فيها الاختلاف والقطيعة بل التبديع والتكفير وكان لها أثر سيئ على الجرح والتعديل، فقد جرح بسبب تلك الفتنة علماء كثيرون، وشققت عبارات كثيرة بسببها حيث قالوا: هذا من الواقفية لأنه وقف فلم يسلم من النقد، وذاك من اللفظية البغيضة لأنه قال: لفظي بالقرآن مخلوق كمحمد بن إسماعيل البخاري، فقد أخرج من بلده بسبب هذه المحنة مع أن الحق معه، وضرب بسببها من ضرب

وسجن من سجن وعزل عن الوظيفة من عزل ولا حول ولا قوة إلا بالله.

لأجل ذلك كره من كره من علماء الإسلام الخوض في دقائق علم الكلام في مثل هذه الأمور، وعلى هذا النوع يحمل كلام من تبرأ من علم الكلام أو حجره على غير أهله كالغزالي والرازي وغيرهما. حتى قال الشوكاني رحمدلله: «بل مسألة الخلاف في كلام الرب سبحانه وإن طالت