تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه عند الإباضية والأشاعرة والمعتزلة والحنابلة محمود مصطفى عبود آل هرموش [دارس عن الإباضية]

تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه

الجزء ١ · صفحة ٢٢٩

الفصل الثالث: في تأثير علم الكلام في أصول الفقه

229

ذيولها وتفرق الناس فيها فرقاً، وامتحن بها من امتحن من أهل العلم، وظن من ظن أنها من أعظم مسائل أصول الدين ليس لها كبير فائدة، بل هي من فضول العلم، ولهذا صان الله سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم من التكلم فيها).

ففي مثل هذا الباب كره السلف الخوض في علم الكلام.

وأما من جوّز الاشتغال به فلأنه عندهم مرادف لعلم التوحيد الذي به يحصل الذب عن العقيدة ودفع الشبه، وإقامة الحجج والبراهين على وجود الصانع الحكيم وعلى إثبات النبوات وأحوال المعاد ونحو

ذلك.

وللرد على أهل الإلحاد والزندقة والباطنية على اختلاف مشاربهم، لا سيما وأن هذه الفرق الضالة تسلحت بالمنطق وعلم الكلام وتفننت في ذلك، فرأى علماء الإسلام ضرورة الرد عليهم ببضاعتهم وحربهم بسلاحهم وكان يختار لهذه المهمة

الأكفاء من

علماء الإسلام.

مثال يتضح به المقصود

وهذا المثال يشتمل على قِصَّتَيْن جميلتين متداخلتين، الأولى: حصلت مع القاضي أبي بكر ابن العربي المالكي في رحلته إلى بلاد الشام. والثانية: حصلت أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي يوم دخل الري وهو من كبار أهل الحديث.

لأبي بكر وسوف أذكر هاتين القصتين باختصار: قال ابن العربي في كتاب «العواصم» خرجتُ من بلادي على الفطرة فلم ألق في طريقي إلا مهتدياً حتى بلغت هذه الطائفة يعني الإمامية والباطنية من فرق الشيعة … ولبثت فيهم ثمانية أشهر ثم خرجت إلى الشام فوردتُ بيت المقدس فألفيتُ فيها ثماني وعشرين حلقة ومدرستين: مدرسة الشافعية بباب الأسباط، وأخرى للحنفية، وكان فيها من رؤوس العلماء ورؤوس المبتدعة ومن أحبار اليهود والنصارى كثير فوعيت العلم وناظرت كل طائفة بحضرة شيخنا أبي بكر الفهري من أهل السُّنَّة.

(1) إرشاد الفحول، ص 39، دار الكتب، ط. أولى، قدم له سماحة المفتي خليل الميس، وولي الدين فرفور.