تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
الجزء ١ · صفحة ٢٣٠230
تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
ثم نزلت الساحل وكان مملوءاً من هذه النحل من الإمامية والباطنية ونزلت عكا وكان رأس الإمامية فيها حينئذ أبو الفتح العكي .. فاجتمعت بأبي الفتح العكي في مجلسه وأنا ابن العشرين، فلما رآني صغيراً كثير العلم متدرباً وقع بي وفيهم لعمر والله وإن كانوا على باطل انطباع وإنصاف وإقرار بالفضل إذا ظهر وكان لا يفارقني ويساومني الجدال فتكلمت على مذهب الإمامية والتعليم من المعصوم ما يطول ذكره). قال ابن العربي: وشاع الحديث فرأى رئيس الباطنية المسمين بالإسماعيلية أن يجتمع معي فجاءني أبو الفتح إلى مجلس الفقيه الديبعي وهو من شيوخ السُّنة وقال: إن رئيس الإسماعيلية رغب في الكلام معك، فقلت: أنا مشغول، فقال: هنا موضع مرتب قد جاء إليه وهو محرس الطبرانيين مسجد في قصر على البحر وتحامل عليَّ فقمتُ ما بين حشمه وحسبه ودخلت قصر المحرس وطلعنا إليه فوجدتهم قد اجتمعوا في زاوية المحرس الشرقية، ورأيت المنكر في وجوههم فسلمت ثم قصدت جهة المحراب فركعتُ عنده ركعتين لا عمل لي فيها إلا تدبير القول معهم والخلاص منهم وكنت أنظر في البحر يضرب حجارة سود محددة تحت طاقات المحرس فأقول: هذا قبري الذي يدفنوني فيه وأنشدتُ في سري:
ألا هل إلى الدنيا معاد وهل لنا سوى البحر قبراً أو سوى الماء أكفان؟!
وهذه كانت الشدة الرابعة في حياتي من شدائد عمري التي أنقذني الله منها، فلما سلمتُ عليهم سألتهم عن أحوالهم وقد اجتمعت إلي نفسي وقلتُ: أشرف ميتة في أشرف موطن أناضل فيه عن الدين، فقال أبو الفتح وأشار إلى فتى حسن الوجه: هذا سيد الطائفة ومقدمها فدعوتُ له فسكت فبدرني قال: قد بلغتني مجالسك وانتهى إلي كلامك وأنت تقول: قال الله وفعل! فأي شيء هو الله الذي تدعو إليه؟! أخبرني واخْرُج عن هذه المخرقة التي جازت لك على هذه الطائفة الضعيفة وقد احتد نفساً وامتلأ غيظاً وجثى على ركبتيه ولم أشك أنه لا يتم الكلام إلا وقد اختطفني أصحابه قبل الجواب!
(1) ناظر ابن العربي خصمه في المهدي وفي وصاية النبي بالخلافة لعلي حتى انقطع الخصم. تركت ذكرها طلباً للاختصار.