تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
الجزء ١ · صفحة ٢٤24
تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
فإن الله أنزل القرآن للعمل بمحكمه والإيمان بمتشابهه وطلب التدبر في آياته قال تعالى: (كِتَبُ أَنزَلْتَهُ إِلَيْكَ مُبَرَكَ لِيَدَّبَّرُوا آبَتِهِ، وَلِيَتَذَكَرَ أُولُوا الْأَلْبَبِ} [ص: 29]. فحظ أولي الألباب من كتاب التدبر والتذكر وليس البحث فيما ليس فيه مجال للتدبر والتذكر.
وقال أيضاً: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24] فالقلوب هي مركز التدبر والتذكر كما ثبت ذلك في العلم الحديث فكل من لا يتدبر آيات القرآن فقد أقفل على عقله وقلبه. إن الله أنزل القرآن الكريم ليكون علماً تجتمع الأمة حوله تأتمر بأوامره وتنتهي بنواهيه لا لكي يكون ذريعة للاختلاف والتفرق ولعمري إن لم يكن القرآن عاصماً للأمة عن الاختلاف والتفرق فمن ذا الذي يعصمها عن ذلك. لقد جمع القرآن الأمة حينما أدركت الأمة مقاصده وغاياته فعملت بها وحينما حادت عن مقاصده وغاياته ضرب الله
قلوب بعضهم ببعض ولعن بعضهم بعضاً وكفر بعضهم بعضاً كما هو حاصل اليوم. لأجل ذلك جاء هذا الكتاب يعالج هذه الظاهرة ويبيّن أثر العلوم العقلية في
أصول الفقه.
وأردت بالعلوم العقلية علم المنطق، وعلم الكلام، ثم اقتضت الدراسة إدخال العربية فإنها لا تنفك عن النظر العقلي في كثير من الجوانب. فقد عالجت هذه الدراسة جانباً مهماً من الدراسات المنطقية والكلامية واللغوية وجانباً مهماً من آداب البحث والمناظرة وهو جانب مهم للنظر العقلي ولا أدعي ببضاعتي المزجاة أنني سوف أغير فكر الأمة بطريقة سحرية ولا قلب أوضاعها الفكرية بمجرد ما علقته في هذا الكتاب من أفكار، لكن قدّمتُ جهد المقل معذرة إلى ربي عسى أن ينفع الله به ولو رجلاً واحداً فإن ذلك خير عند ربي من حمر النعم كما ورد في الخبر عن رسول الله. فقد روي عن النبي أنه قال: يا علي لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم
(1) أخرجه البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد في كتاب الجهاد والسير» باب فضل من أسلم على يديه رجل برقم 3009