تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
الجزء ١ · صفحة ٢٣٢232
تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
ندمت على ما سلف من عمري ولم أنظر في شيء من علم الكلام، ثم أذكرني الله ما سمعته من الرجلين بجامع الري فَقَويَتْ نفسي وجعلتُ ذلك عمدتي وبلغت البلد، فتلقاني الملك ثم جميع الخلق وحضر الإسماعيلي مذهباً، مع الإسماعيلي نسباً وقال الملك للباطني أذكر قولك يسمعه الإمام، فلما أخذ في ذكره واستوفاه،
قال له الحافظ: لِمَ؟ فلما سمعها الملحد قال: هذا إمام عرف مقالتي فبهت. قال الإسماعيلي: فخرجت من ذلك الوقت وأمرت بقراءة علم الكلام وعلمتُ أنه عمدةً من عُمَدِ الإسلام. قال ابن العربي وحين انتهى به الأمر إلى ذلك المقام قلتُ: إن كان في الأجل نفس فهذا شبيه بيوم الإسماعيلي، فوجهت إلى أبي الفتح الكلام وقلت له: لم قلت أي شيء هو الله فاقتصرت من حروف الاستفهام على أي وتركت الهمزة وهل وكيف وأنى وكم وما هي أيضاً من توالي حروف الاستفهام، وعدلت اللام وهي أيضاً من حروفه؟ وهذا سؤال ثان عن حكمة ثانية وهو أن لأي معنيين في الاستفهام، فأي المعنيين قصدت بها؟ ولِمَ سألت عن حرف محتمل؟ ولم تسأل بحرف مصرح
بمعنى واحد هل وقع ذلك بغير علم ولا قصد حكمة أم يقصد حكمة بين لنا؟ فما هو إلا أن فتحت هذا الكلام وانبسطت فيه وهو يتغير حتى اصفر آخراً من الوجل، كما أسود أولاً من الحقد، ورجع إلى أحد أصحابه الذي كان عن يمينه إلى
آخر كان بجانبه وقال له: ما هذا الصبي إلا بحر زاخر من العلم ما رأينا مثله قط. وحين سمعتُ تلك الكلمة من إعظامي قلتُ: هذا مجلس عظيم، وكلام طويل يفتقر إلى تفصيل، ولكن نتواعد إلى يوم آخر، وقمت وخرجت فقاموا كلهم معي وقالوا: لا بد أن تبقى قليلاً فقلت: لا، وأسرعت حافياً وخرجت على الباب أعدو حتى أشرفت على قارعة الطريق وبقيت هناك مبشراً نفسي بالحياة حتى خرجوا بعدي وأخرجوا لي (لايكي) ولبستها، ومشيت معهم متضاحكاً، ووعدوا لي بمجلس آخر فلم أوف لهم وعلمتُ أن وفاتي في وفائي.
(1) انظر: «الاعتصام للشاطبي 198/ 1 - 204، دار ابن عفان، ت: سليم الهلالي.