تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
الجزء ١ · صفحة ٢٣٧الفصل الثالث: في تأثير علم الكلام في أصول الفقه
237
فبعد الفتنة التي وقعت بين الصحابة، كان فريق منهم على الحياد فلم يدخل في الهرج الذي قدر الله أن يموج به المسلمون وتمسكوا بحديث أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: «ستكون فتن القاعد فيها خير من الماشي والماشي خير من الساعي، فإذا وقعت فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كان له غنم فليلحق بغنمه، ومن كان له أرض فليلحق بأرضه»، فقال رجل: يا رسول الله ومن لم تكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: «يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر ثم لينجو إن استطاع الحياة. فامتنع هذا الفريق عن الخوض في الفتنة لهذا الحديث، ومن هؤلاء: سعد بن أبي وقاص، وأبو بكرة راوي هذا الحديث، وابن عمر، وعمران بن الحصين وهؤلاء أرجؤوا الحكم في أي الطائفتين أحق وفوضوا أمورهم إلى الله. ولما قدموا المدينة بعد قتل عثمان سئلوا عن أولى الطائفتين بالحق، فقالوا: تركناكم وأمركم واحد ليس بينكم اختلاف، وقدمنا عليكم وأنتم مختلفون، فبعضكم يقول: قتل عثمان مظلوماً وكان أولى بالحق، وبعضكم يقول: علي أولى بالحق وأصحابه كلهم ثقة وعندنا مصدق وعثمان عندنا مصدق، فنحن لا نبرأ منهما ونرجي أمرهما إلى الله حتى يكون هو الذي يحكم بينهما، اور علوم اداري
ب - حكم مرتكب الكبيرة
وقد انبثق عن هذه المسألة مسألة أخرى وهي حكم مرتكب الكبيرة، فالقتل الإسلام كبيرة من أكبر الكبائر، وقد اقتتل أصحاب رسول الله فلا بد إذاً من النظر في مرتكب الكبيرة، هل يخرج من الملة أو لا؟ فقال الخوارج: كافر، وقالت المعتزلة: بين الكفر والإسلام، وقال أهل السُّنَّة: إنه داخل في مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه، لحديث معاذ «فمن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله، فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه» (2).
بأنه
(1) رواه البخاري في الفتن رقم (7081)، «فتح الباري، 33/ 13 دار الريان. (2) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه باب علامة الإيمان حب الأنصار رقم (18).