تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه عند الإباضية والأشاعرة والمعتزلة والحنابلة محمود مصطفى عبود آل هرموش [دارس عن الإباضية]

تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه

الجزء ١ · صفحة ٢٩٥

الفصل الثالث: في تأثير علم الكلام في أصول الفقه

295

سمعك من طعن طائفة من الحُسَادِ على بعض كتبنا المصنفة في أسرار معاملات الدين وزعم أن فيها ما يخالف مذهب الأصحاب المتقدمين والمشايخ المتكلمين وأن العدول عن مذهب الأشعري ولو في قيد شعرة كفر ومباينته ولو في شيء نذر ضلال وخسران فهون عليك أيها الأخ المشفق المتعصب ولا يضيق به صدرك واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلاً واستحقر من لا يُحسد ولا يُقذف فأي داع أكمل من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قالوا إنه مجنون من المجانين وأي كلام أجل من كلام الله وقد قالوا فيه إنه أساطير الأولين خاطب نفسك وصاحبك وطالبه بحد الكفر فإن زعم أن الكفر ما يخالف مذهب الأشعري أو مذهب المعتزلي أو مذهب الحنبلي فاعلم أنه غر بليد قد قيده التقليد فهو أعمى من العميان فلا تضيع بإصلاحه الزمان.

ثم يتساءل هل مخالفة الأشعري والباقلاني كفر في كل ورد أو صدر فمن أين

ثبت له أن الحق وقف عليهما حتى يكفر من خالفهما في صفة من الصفات. ثم سأل من رماه بالكفر لمخالفته الأشعري بأنه يلزمه تكفير الباقلاني الذي خالفه في بعض الصفات كصفة البقاء الله، وزعم أنه ليس صفة الله زائداً على الذات ولماذا لم يكن الأشعري أولى بالكفر لمخالفته الباقلاني ولماذا صار الحق وقفاً على أحدهما دون الثاني فإن كان ذلك من أجل السبق في الزمان فقد سبق الأشعري غَيرُه من المعتزلة. فليكن الحق السابق عليه أم لأجل التفاوت في الفضل والعلم فبأي ميزان أو مكيال قدرت درجات الفضل حتى لاح أنه ليس في الوجود أفضل من متبوعك فإن رخص للباقلاني في مخالفته لمَ حجر غيره … إلخ ما قال.

وأظن أنه كان يعني بالأسئلة الإمام المازري الذي شنع على الغزالي مخالفته للأشعري، وهذه الزامات للخصم لا يقصد بها تكفير أحد من الأشعري والباقلاني لكنه يلزم بها الذين شددوا النكير على مخالفته للأشعري.

وبهذا الكلام يتضح لنا تفرد الغزالي وأصالته في الاجتهاد في مسائل العقائد بعيداً عن التقليد والتبعية وهذه أهم مقومات الإمامة في العلم.

(1) باختصار من تاريخ المذاهب، ص 173