تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
الجزء ١ · صفحة ٢٩٨298
تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
مثال آخر: إذا قرع سمعه النزول في قوله: ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا)، فالواجب عليه أن يعلم بأن النزول اسم مشترك يطلق على الحركة والانتقال وقد يطلق على معنى ليس فيه حركة وانتقال قال تعالى: {وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَمِ ثَمَنِيَةً ازوج) (الزمر: (6)، وما رئي البعير والبقر نازلاً من السماء بالانتقال بل هي مخلوقة في الأرحام ولإنزالها معنى لا محالة، كما قال الشافعي له: دخلت مصر فلم يفهموا كلامي فنزلت ثم نزلت فلم يرد بالنزول انتقال جسده إلى أسفل فليتحقق المؤمن قطعاً أن النزول في حق الله تعالى ليس النزول بالمعنى الأول).
إن الناظر في كلام الغزالي يدرك أنه أراد بهذا الكتاب أن يضيق المسالك على الذين تصوروا علماً ليسوا هم من أهله ولا يصح لهم الاشتغال به ولم يقصد تحريم النظر فيه مطلقاً وإلا لأمر الناس بحرق كتبه فجلّها في الكلام والمنطق والفلسفة لكنه بخبرته رأى أن الغوص في دقائقه لا سيما ممن ليسوا من أهله مضيعة للوقت مجلبة للشغب والفوضى لأجل ذلك ضن به على غير أهله.
وهذه الوظائف السبعة التي ذكرها الغزالي لا تخرج عن قاعدة التفويض ولهذا قال الإمام ابن تيمية: إن الغزالي رجع في كتاب الجام» العوام - إلى قانون السلف». وإن كان الكثير من الدارسين يأنف من نسبة التفويض إلى مذهب السلف ولكن هذا من عدم التحقيق فإن الأئمة المشهورين بالعلم نسبوا التفويض إلى مذهب السلف.
فهذا الإمام الذهبي وهو من كبار المحققين لما ترجم لابن خزيمة زكر الله ذكر كلامه: أن من لم يُقر بأن الله على عرشه فَوْقَ سبع سماواته فهو كافر حلال الدم وكان ماله فيئاً، علق الذهبي عليه بقوله: وكتابه أي ابن خزيمة في التوحيد مجلد كبير وقد أول فيه حديث الصورة فليعذر من تأوّل بعض الصفات، وأما السلف فما خاضوا في التأويل بل آمنوا وكفوا وفوضوا علم ذلك إلى الله تعالى ورسوله ولو أن كل من أخطأ
(1) له ألفاظ أصلها في الصحيح.
(2) انظر إلجام العوام عن علم الكلام (ص 5 - 6).