تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
الجزء ١ · صفحة ٣١٢312
تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
ه - المثال الخامس قالوا رويتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله خلق آدم على صورته. قال ابن قتيبة: ونحن نقول: إن الله تعالى يجل أن يكون له صورة أو مثال: ثم ذكر تأويلات الناس لهذا الحديث فذكر تأويلات علماء الكلام وهو أن الله خلق آدم على صورته من غير زيادة ولا نقصان إلا أن ابن قتيبة نفى الفائدة من هذا التأويل، فقال: ومن يشك أن الله خلق آدم على صورته والسباع على صورتها.
(قلت): بل لهذا التأويل فائدة عظيمة فإن (دارون) صاحب فكرة النشوء والارتقاء نفى أن يكون الله قد خلق آدم على صورته الآن بل احتذي عن صورة قرد فكان أصله قرداً ثم تطور، فهذا الحديث من أصرح الأدلة على دحض فكرة النشوء والارتقاء التي قال بها دارون بناءً على هذا التأويل ويصبح معنى الحديث أن الله خلق آدم منذ الأزل على صورته التي هو عليها الآن ولم يتطور من قرد أو سبع أو نحو ذلك، وإنما خلق منذ النشأة الأولى على هذه الصورة السوية ولم يحتذ عن قردٍ أو خنزير أو أي مسخ من المسوخ. وهذا تأويل حسن مقبول.
وأما ابن قتيبة فقد أوّل الحديث على معنى أن الله خلق آدم في الجنة على صورته في الدنيا، وهذا التأويل فيه رد على من قال: إن الله خلق آدم في الجنة طوله كذا وعرضه كذا، وحليته كذا، فقال النبي: إن الله خلق آدم في الجنة على صورته في الأرض».
ولم يفهم ابن قتيبة أن الضمير يرجع إلى الله كما فهم أهل الحد والتشبيه تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
الله الملك
وتأويلات ابن قتيبة تأويلات حسنة وتخريجات دقيقة للفظة على ما تحتمله لغة العرب من وجوه سائغة، وهي من التأويلات الغريبة التي يشهد لها المقام و بساط الكلام، وهو من مثبتي المجاز في القرآن لأن القرآن عنده نزل على معهود كلام العرب وأساليبهم واستعمالاتهم والمجاز من معهود كلام العرب
(1) البخاري كتاب الاستئذان باب بدء السلام حديث (6227)، ومسلم حديث (2848).