تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه عند الإباضية والأشاعرة والمعتزلة والحنابلة محمود مصطفى عبود آل هرموش [دارس عن الإباضية]

تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه

الجزء ١ · صفحة ٣١٥

الفصل الثالث: في تأثير علم الكلام في أصول الفقه

315

لا يصح بل أثبتوا الصفات الله بأخبار موضوعة أو منقولة عن أهل الكتاب ومع هذا كانوا يقولون: هذا مذهب السلف.

وابن الجوزي عالم أثري سلفي هو أعرف بمذهب السلف ممن جاء بعده ومع ذلك وقف من أصحابه موقفاً حازماً لأنه رأى أن مذهب السلف لا يقر التشبيه والتجسيم فلم يؤثر عنهم تفسير لهذه الألفاظ المشكلة وإنما أثر عنهم قولهم: تفسيرها قراءتها وأثر عنهم قولهم: أمروها كما جاءت، وقصدهم إمرارها على ظاهر اللفظ وليس على ظاهر المعنى فلفظ استوى يقر على ظاهره ولا يقال: استولى مثلاً لكن حقيقة الاستواء ليست قعوداً ولا مماسة وإنما يفوض علم حقيقتها إلى الرب تعالى فتقول استوى كما يليق بجلاله آمنا بالله وصفاته على مراده تعالى وليس الاستواء جلوساً ولا قعوداً بل هو حقيقة شرعية استأثر الله بعلم حقيقتها ولم نؤمر بمعرفة ذلك ولا بالتنقيب عنه وإنما أمرنا بالإيمان بها ورد علم حقيقتها ومعانيها إلى الله ورسوله. وهذا سبيل المؤمن إزاء المتشابهات في الكتاب والسنة. على أن التأويل في كثير من الأحيان أقرب إلى التنزيه من التشبيه والتجسيم

لا سيما التأويل القريب الذي يشهد بصحته السياق والمقام. وقد عاب ابن الجوزي على أصحابه ورماهم ببدعة التشبيه والتجسيم وقد انتقدهم لأنهم سموا الإضافات صفات فاعتبروا الاستواء صفة وأنهم أجروا العبارات على ظاهرها وأنهم أثبتوا العقائد بأدلة واهية وأخذ عليهم أنهم أضافوا ذلك إلى معتقد السلف فبين أن مذهب السلف كان غير ذلك. وهاك قوله: ورأيت من أصحابنا من تكلم بالأصول بما لا يصلح وانتدب ثلاثة للتصنيف: ابن حامد، وصاحبه أبو يعلى، وابن الزاغوني وصنفوا كتباً شانوا بها المذهب وقد رأيتهم نزلوا إلى مرتبة العوام فحملوا الصفات على مقتضى الحس فسمعوا أن الله خلق آدم على صورته فأثبتوا له صورة ووجهاً زائداً على الذات وعينين وفماً ولهاة، وأضراساً، وأضواء لوجهه هي السبحات، ويدين وأصابع وكفاً وخنصراً، وإبهاماً وصدراً وفخذاً، وساقين ورجلين وقالوا: ما سمعنا بذكر الرأس،

(1) الذيل على طبقات الحنابلة 400/ 1.