تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
الجزء ١ · صفحة ٣١٩الفصل الثالث: في تأثير علم الكلام في أصول الفقه
319
المثال الثالث: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: 54]، قال الله: قال الخليل بن أحمد العرش السرير وكل سرير يسمى عرشاً والعرش مشهور عند العرب في الجاهلية والإسلام قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ) [يوسف: 100]، وقال تعالى: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِيهَا﴾ [النمل: (38) اعلم أن الاستواء في اللغة على وجوه:
منها الاعتدال قال بعض بني تميم فاستوى ظالم العشيرة والمظلوم اعتدالاً واستواء، والاستواء تمام الشيء قال سبحانه: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ، وَاسْتَوَى) [القصص: 14]. والاستواء القصد إلى الشيء، قال سبحانه: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ) [البقرة: 29]، أي: قصد خلعها.
والاستواء الاستيلاء على الشيء قال الشاعر: إذا ما غزا قوماً أباح حريمهم
وأضحى على ما ملكوه قد استوى
وروى إسماعيل بن أبي خالد الطائي قال: العرش ياقوتة حمراء وجميع السلف على إيراد هذه الآية من غير تفسير، ولا تأويل وقد حمل قوم من المتأخرين هذه الآية على مقتضى الحس فقال استوى على العرش بذاته وهذه زيادة لم ينقلوها عن السلف وإنما فهموها من إحساسهم وهو أن المستوي على الشيء إنما يستوي بذاته قال ابن حامد: والاستواء حاسة وصفة لذاته والمراد به القعود قال وقد ذهبت طائفة من أصحابنا إلى أن الله سلام الله على العرش ما ملأه وأنه يقعد نبيه معه على العرش. والنزول انتقال وعلى ما حكى تكون ذاته أصغر من العرش فالعجب من قول هذا ما نحن مجسمة، قال: واحتج بعضهم بأنه على العرش بقوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يرفعه [فاطر: 10]، وبقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: 18] جعلوا تلك الفوقية فوقية حسية، ونسوا أن الفوقية الحسية إنما تكون لجسم أو جوهر وأن الفوقية قد تطلق لعلو الرتبة، فيقال فلان فوق فلان، ثم إنه تعالى فوق عباده، قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: (4) فمن حملها على العلم حمل خصمه الاستواء على القهر. وذهبت طائفة إلى أن الله تعالى على عرشه قد ملأه والأشبه أنه مماس للعرش والكرسي موضع قدميه (قلتُ): والمماسة تقع بين جسمين وما أبقى هذا في التجسيم بقية.