تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه عند الإباضية والأشاعرة والمعتزلة والحنابلة محمود مصطفى عبود آل هرموش [دارس عن الإباضية]

تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه

الجزء ١ · صفحة ٣٢٩

الفصل الثالث: في تأثير علم الكلام في أصول الفقه

329

وكان يرى الاستواء على العرش بمعنى العلو والارتفاع وهو عال قبل أن يخلق العرش قال: لا يجوز أن يقال: استوى بقعود ولا مماسة ولا بملاقاة. تعالى الله عن ذلك والله تعالى لم يلحقه تغيير ولا تبديل ولا الحدود قبل خلق العرش وبعد خلق العرش. وكلام أحمد الله في غاية التبرئة، فهو نص في نفي التشبيه والتجسيم ولوازمهما عن الله غاية ما فيه أنه أثبت الصفات فأمرها كما جاءت ونفى عنها الكيف والمعنى فلم يؤلها ولم يجسم وكأنه رأى أنها حقائق شرعية استأثر الله بعلمها فلم يفسرها على المعاني الظاهرة عند أهل اللغة بل نفى ذلك أشد النفي كما أنه نفى أن تكون مجسمة أو محددة أو مركبة أو من الجوارح والأبعاض فلم يبق إلا الإيمان بها وتفويض حقيقتها إلى الرب تعالى.

إذا تدبرت هذا المقام اتضح لك كلام ابن الجوزي لبعض المجسمة من أصحابه حيث يقول: «وقد نصح التابع والمتبوع، فقلت: يا أصحابنا أنتم أصحاب سُنة واتباع فلا تدخلوا في دين هذا الرجل الصالح ما ليس منه (2).

2 - الإمام الحسن بن علي البربهاري (328 هـ):) يقول البربهاري وكل ما سمعت من الآثار شيئاً لم يبلغه عقلك نحو قول الرسول صلى الله عليه وسلم: قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن»، وقوله: «إن الله ينزل من السماء»، وقوله: «رأيت ربي في أحسن صورة ونحو ذلك من هذه الأحاديث فعليك بالتسليم والتصديق والتفويض والرضا لا تفسر شيئاً منها بهواك».

والتفويض مذهب الأشاعرة.

قال صاحب الجوهرة:

وكل نص أوهم التشبيها أوله أو فوض ورم تنزيها

وهذا بعينه مذهب الغزالي وقارن بين كلام البربهاري وبين قول ابن تيمية المفوضة شر من الجهمية يتضح لك أن الحنابلة في هذا المقام ليسوا سواء لكن

(1) انظر: «اعتقاد الإمام أحمد من ص 14 ـ ص 22.

(2) دفع الشبه» ص 60 وما بعدها.