تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
الجزء ١ · صفحة ٣٤١الفصل الثالث: في تأثير علم الكلام في أصول الفقه
المرحلة الثانية:
341
المقدمة الكبرى: «وكل متغير حادث ومن الأمثلة على ذلك التغير المكاني فما من شيء إلا وحدث فيه التغير المكاني والزماني فما من جسم في الكون إلا كان بعد أن لم يكن، ومن أنواع التغيرات التغير الجوهري في التركيبات والصفات والأعراض مثل التغيرات الجوهرية الحادثة في الإنسان والحيوان والنبات وجميع الأجسام القابلة للتغيير.
المرحلة الثالثة: النتيجة
أنه لا بد لكل تغير يحدث في أي جزء من أجزاء هذا الكون الكبير من سبب أثر فيه تأثيراً يكفي لأن يحوله ويغيره من وضع إلى وضع آخر.
وهذا ما يطلق عليه علماء الكلام قانون السببية.
الله تعالى.
فلو وضعت في صندوقك المقفل عدداً من النقود ثم وجدته في صندوق صديقك كان من البدهي أن تفكر أن هناك سبباً أدى إلى انتقال المال من صندوقك إلى صندوق صديقك وأن المال لم ينتقل بنفسه. وهذا القانون أعني قانون السببية كان مركوزاً في فطرة الأعرابي لما سئل بأي شيء عرفت ربك؟ فقال الأعرابي: إن البعرة تدل على البعير وإن الأثر يدل على المسير فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج وبحار ذات أمواج ألا تدل كلها على الصانع الحكيم. لذلك كان من البدهي أن يستنتج العقل أن المحدث هو المتصف بالقوة والعلم والحكمة والإتقان وهو وقد أشار القرآن إلى هذا الدليل مقرراً حقيقة أولية عن الرب الخالق بأنه لا يحول ولا يزول ولا يلحقه التغيير، وأن التغيير من سمات المخلوقين الحادثين قال تعالى حكاية عن نبي الله إبراهيم: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ رَهَا كَوْكَبَا قَالَ هَذَا رَتِي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الأفلين﴾ [الأنعام: 76] فإبراهيم هو أعرف الناس بصفات الربوبية، لكنه أراد أن يُعرض بآلهة قومه المتغيرة ليفهمهم أن الإله الحق هو الذي لا يعتريه الأقول والتغيير. وقد أشار القرآن إلى قانون السببية في كثير من المناسبات قال تعالى: ﴿وَتَه خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَجَأَ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: 1].