تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه عند الإباضية والأشاعرة والمعتزلة والحنابلة محمود مصطفى عبود آل هرموش [دارس عن الإباضية]

تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه

الجزء ١ · صفحة ٣٥٦

356

تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه

ومنها: أن الله طلب من الثقلين الإيمان وكلفهم به وهو يعلم أنه غير حاصل منهم قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: 103].

لكنهم قالوا: إن التكليف بالمحال وإن جاز عقلاً إلا أنه لم يقع التكليف به شرعاً وذهبت الإباضية والمعتزلة إلى امتناع التكليف بما لا يطاق واستدلوا على مذهبهم بقوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]. وهذا نص في المسألة. وبقوله تعالى: (وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة: (286] فقد ورد في الحديث أن الله تعالى قال: «قد استجبت لكم» (3) فكيف يكلفنا بما لا يطاق بعد ذلك. وأجابوا عن دليل المجوزين بقولهم: إن تكليف الكافر ليس من قبيل التكليف بما لا يطاق، لأن المحال هو تعذر القدرة والاستطاعة وهؤلاء جعل الله لهم استطاعة وكسباً فآثروا الكفر والضلالة على الإيمان والهدى باختيارهم الفاسد هذا من جهة. ومن جهة ثانية أن من علم الله سبحانه منه عدم الإيمان أصلاً لم يكن مقصوداً بالخطاب في نفس الأمر وإن شمله الخطاب بالتكليف ظاهراً في الجملة، ألا ورد نص على معين أنه لا يؤمن أصلاً فترك النبي صلى الله عليه وسلم دعاءه وكف عنه، وكذلك الأنبياء عليهم الصلاة والسَّلام كإبراهيم لما تبين له أن أباه عدو الله تبرأ منه، واعتزله هو وقومه قال تعالى حكاية عنه (فَلَمَّا نَبَيَّنَ لَهُ: أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} [التوبة: 114] وكذلك نوح فإنه كف عن دعوة قومه إلى الإيمان لما نزل قوله تعالى: {أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ مَامَنَ) [هود: 36].

الترجيح:

ترى أنه

والراجح أن تكليف ما لا يطاق لا يصح، لأنه مناقض لوضع الشريعة التي وُضِعَتْ على قاعدة اليسر ودفع الحرج والتكليف بالمحال هو عين العسر

(1) انظر: «فصول الأصول ص 117، ومعارج الآمال 116/ 1، وانظر: «الكوكب المنيره 485/ 1، وأصول السرخسي 65/ 1، و «مختصر ابن الحاجب 9/ 2

(2) الحديث رواه الحاكم برقم (3535).