تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه عند الإباضية والأشاعرة والمعتزلة والحنابلة محمود مصطفى عبود آل هرموش [دارس عن الإباضية]

تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه

الجزء ١ · صفحة ٣٦٥

الفصل الرابع: في أثر علم الكلام في علم أصول الفقه

365

أخبر الله تعالى على أن من سننه ألا يعذب أحداً إلا بعد إبلاغ الرسل، ولو كان العقل هو الحاكم للزم أن يعذب كل عاقل من غير رسول بمقتضى العقل وللزم من ذلك تكذيب خبر الله تعالى عن ذلك علواً كبيراً.

ه - وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْتَهُم بِعَذَابٍ مِن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ اينيكَ مِن قَبْلِ أَن نَذِلَّ وَتَخَزَى﴾ [طه: 134].

فقد بين الله أن الحجة على الناس هي إرسال الرسل المخبرة عن الله أحكامه وليس العقل فدل ذلك على أن الحاكم هو الله تعالى وليس العقل.

ومن الأدلة على ما ذهب إليه الجمهور ما ذكره الإمام السالمي ذكر الله في «معارج الآمال حيث قال: والحجة لنا على الجميع هي أنه لو كان الفعل حسناً أو قبيحاً لذاته أو لصفة لازمة لما اختلف بأن يكون تارةً حسناً وتارةً قبيحاً، ولاجتمع النقيضان في قول القائل: لأكذبن غداً صدق أو كذب، وبيانه أن قوله ذلك إن طابق الواقع كان حسناً لصدقه وقبيحاً لاستلزامه وقوع متعلقه الذي هو صدور الكذب عنه في الغد، وإن لم يطابق الواقع كان قبيحاً لكذبه وحسناً لعدم وقوع متعلقه الذي هو الكذب القبيح ولا شك أن انتفاء القبيح وتركه حسن وتقريره أن ملزوم الحسن حسن، وملزوم القبيح قبيح، فيلزم في الكلام اليومي اجتماع صفتي الحسن والقبح الذاتيين هما متناقضان ضرورة لأن الحسن ليس بقبيح، قال: وأيضاً لو كان الحسن والقبح ذاتيين لوجب أن لا يختلفا في حال من الأحوال. وقد رأينا الصدق النافع حسناً فإن أفضى إلى قتل مؤمن أو أذاه كان قبيحاً، ورأينا الكذب قبيحاً فإن أفضى إلى نجاة مؤمن من قتل أو أذى كان حسناً، وكذلك ضرب اليتيم يكون حسناً للتأديب قبيحاً للتعذيب، فلو كان الحسن والقبح ذاتيين لوجب أن لا يختلفا باختلاف الأحوال).

وهذان دليلان عقليان دقيقان مؤداهما أن الفعل لا يكون حسناً أو قبيحاً لذاته، بل لما يفضي إليه من مصلحة أو مفسدة والمصلحة والمفسدة من مقررات الشرع وليس من تخمينات العقل، فلا يدري مصالح العباد إلا رب العباد.

(1) معارج الآمال» 10/ 1.