تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
الجزء ١ · صفحة ٣٦٨368
تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
فقد وزع الله متعلقات الحواس فجعل القلوب للإدراك والعقول في القلوب على الصحيح والأعين للإبصار، والأذان للإسماع وهذا دليل على أن العقل يدرك حسن بعض الأفعال وقبحها.
ـ وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوَكُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كَافِي أَصْعَبِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 10]. وهذا يدل على أنهم لو أعملوا سمعهم وعقولهم لأدركوا طريق الخير وطريق الشر، ومن الأدلة في هذا المقام حثهم على تدبر آيات الله المبثوثة في هذا الكون عن طريق العقل كما في قوله تعالى: (أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44].
وقوله: (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 73].
وقوله تعالى: ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُم مِّن شُرَكَاءَ في مَا رَزَقْنَكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 73).
فقد احتج الله عليهم بما في عقولهم من قبح كون مملوك أحدهم شريكاً له والمعنى إذا كان أحدكم يستقبح أن يكون مملوكه شريكه ولا يرضى بذلك فكيف يرضى الله أن يجعل من عبيده شريكاً له في الألوهية أو الربوبية، وهذا يدلُّ على أن
قبح هذا المسلك مركوز في العقول والنفوس ومثل هذا كثير في الكتاب والسنة. المقام الثاني: كون العقل حاكماً ومشرعاً من دون الله وعلى فهذا أمر لا يقوله مسلم، لا المعتزلة ولا غيرهم، وفي ذلك يقول ابن برهان واعلم أن المعتزلة ما عنوا بقولهم: إن العقل يحسن ويقبح، إن العقل يوجب كون بعض الأفعال حسناً وبعضها قبيحاً فإن العقل ضرب من العلوم الضرورية وهو العلم بما يجب، وما يجوز، وما يستحيل، والعلم لا يوجب للمعلوم الذي يتعلق به صفة زائدة بل يكون متعلقاً به على ما هو عليه، فإن كان حسناً علم على ما هو عليه وكذا إن كان قبيحاً علم على ما هو عليه، وإنما يحسن بعض الأفعال ويقبح بعضها لوقوعها على وجه أو حال لأجله تلك الصفة كانت حسنة أو قبيحة، وكأن العقل عندهم يكشف عن حسن الحسن وقبح القبيح لا أنه يوجب ذلك.
(1) الوصول إلى الأصول 58/ 1 لابن برهان مكتبة المعارف بالرياض.