تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
الجزء ١ · صفحة ٣٧٢372
تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
الفرع الأول: نشأة هذه المسألة):
أريد أن أشير إشارة سريعة إلى نشأة هذه المسألة والظروف التي رافقتها. فقد أثار المعتزلة هذه المسألة في العصر العباسي وقد أثاروها على عهد ثلاثة خلفاء من بني العباس هم المأمون والمعتصم، والواثق وقد امتحن بسببها الفقهاء والمحدثون، وقد سجن بسببها من سجن، وضرب فيها من ضرب وقد طال شررها كل من لم يجب فيها ولم يَسْلَم أحدٌ حتى الذين تورعوا عن الخوض فيها، وقد ذكر أهل العلم أن هذه المقالة كانت في الحقيقة قبل المعتزلة فقد قال بها الجعد بن درهم، الذي قتله خالد بن عبد الله القسري والي الكوفة لهذه المقالة. وقال مثل هذه المقالة الجهم بن صفوان الذي نفى صفة الكلام عن الله تعالى تنزيهاً الله بزعمه عن مشابهة الحوادث).
لكن في عهد المعتزلة اشتد أوارها واستُخْدِمَ سيف السلطان في تقريريها وابتدأ النقاش فيها يحتدم في عصر هارون الرشيد، لكن الرشيد كان ممن لا يشجع الخوض والجدل في العقائد.
کز تحقيقات کا موتر علوم اداري
ولما جاء المأمون أحاط به المعتزلة فاتخذ بطانته منهم وقربهم وأكرمهم غاية الإكرام، والسبب في ذلك أن المأمون كان تلميذاً لأبي الهذيل العلاف في الأديان والمقالات وهو من أئمة المعتزلة.
وقد أحس المعتزلة بمنزلتهم وقربهم من المأمون، فاستغلوا هذه المنزلة ولا سيما أحمد بن أبي دؤاد الذي قربه المأمون وأوصى به أخاه المعتصم عند موته قائلاً: وأبو عبد الله بن أبي دؤاد لا يفارقك وأشركه في أمرك فإنه موضع لذلك منك. فقد زين المعتزلة للمأمون الخوض في مسألة خلق القرآن فأعلن سنة 212 هـ. وابتدأ النقاش في هذه المسألة، ولم يحمل المأمون الناس على اعتناق هذه الفكرة بقوة السيف.
(1) تاريخ المذاهب أبو زهرة ص 152.