تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه عند الإباضية والأشاعرة والمعتزلة والحنابلة محمود مصطفى عبود آل هرموش [دارس عن الإباضية]

تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه

الجزء ١ · صفحة ٣٧٣

الفصل الرابع: في أثر علم الكلام في علم أصول الفقه

373

لكن لما جاء المعتصم بعد وفاة المأمون سنة 218 هـ، بدأت الدعوة إلى اعتناق هذه العقيدة بقوة السلطان وجبروته وأرسل كتبه ورسائله من الرقة إلى نائبه إسحاق بن إبراهيم في بغداد أن امتحن الفقهاء والمحدثين لتحملهم على القول بخلق القرآن وأخبره بأن من لم يستجب إلى القول بخلق القرآن غير موثوق بعلمه ولا دينه وخلوص توحيده ويقينه وأمره بترك شهادة من لم يستجب إلى دعوته في القرآن وأمره أن يكتب إليه في هذا الأمر، ويظهر من هذا الخطاب بأن المعتصم لم يضع عقوبة محددة لمن لم يجب في مسألة خلق القرآن سوى العزل من مناصبهم ورد شهادتهم.

وفي الكتاب الثاني أمر بامتحان الفقهاء المحدثين وتسجيل أجوبتهم وإرسالها إليه، وأما في الكتاب الثالث فقد جاء فيه العنف البين حيث عنف المتوقفين المتورعين وجرحهم، ووصفهم بالشرك وأمر أن يوثق هؤلاء بالحديد ويرسلون إلى أمير المؤمنين، فمن لم يستجب إلى دعوته حمله بالسيف.

وقد سارع إسحاق بن إبراهيم إلى تنفيذ طلبه فأحضر الفقهاء والمفتين والمحدثين، وأنذرهم بالعقوبة الصارمة إن لم يقروا بهذا الطلب.

في

وقد استجاب كثير من الفقهاء والمحدثين ونزلوا مكرهين على طلب السلطان ولم يصمدوا أمام الضرب الشديد والتنكيل والعزل من المناصب والتشهير، ولم يصمد إلا أربعة منهم أحمد بن حنبل رحم الله، ومحمد بن نوح، والقواريري، وسجادة فشدوا في الوثاق وكبلوا في الحديد وباتوا ليلتهم مصفدين في الأغلال، فلما كانوا الغد أجاب أحدهم وهو سجادة فأطلقوه من قيده واستمر الباقون على حالهم. وفي اليوم الثالث أعيد السؤال عليهم وطلب الجواب إليهم فخارت نفس القواريري فأجابهم إلى ما طلبوا منه ففكوا قيوده وبقي اثنان أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح، أما محمد بن نوح فقد دعا الله أن لا يريه وجه السلطان ولا يراه السلطان فمات في الطريق، وبينما هم في الطريق جاء نعي المأمون؛ فلم ير أحدهما الآخر.