تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه عند الإباضية والأشاعرة والمعتزلة والحنابلة محمود مصطفى عبود آل هرموش [دارس عن الإباضية]

تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه

الجزء ١ · صفحة ٣٧٥

الفصل الرابع: في أثر علم الكلام في علم أصول الفقه

375

المصاحف المتلو بالألسن المحفوظ في الصدور مخلوق لأنه مركب من حروف وكل حرف منها مشروط وجوده بانقضاء ما قبله فيكون له بداية وانتهاء، وما كان له ابتداء وانتهاء فهو حادث والمركب من الحادث حادث بالضرورة أيضاً ولأنه شيء غير الله تعالى، فلو قيل بقدمه بطلت الوحدانية في القدم لأنه يلزم أن يكون حينئذ قديمان وهو باطل ولأن الله رجل قال في حقه (قُرْآنًا عَرَبِيا) [طه: 113) فيقتضي أن يكون كلام الله بعضه عربياً وبعضه عبرانياً ونحو ذلك من اللغات فيكون متغيراً بتغير اللغات والمتغير حادث، ولأنه تعالى وصفه بأنه ذكر والذكر حادث قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) [الزخرف: 44]، ووصف الذكر بأنه حادث بقوله: (ما يأتيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم تُحْدَثٍ) [الأنبياء: 2]، ولأنه تعالى قال في حقه: كِتَبُ أُحكمت اينتهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: 1]، وهذا دليل على تركيبه من أجزاء والمركب من الحادث حادث، ولأن الله تعالى وصفه بأنه تنزيل وذلك يقتضي نقله من مكان إلى مكان والمنتقل حادث ووصفه بأنه في اللوح المحفوظ واللوح مخلوق وكل ما حل فيه فهو مخلوق ووصفه بأنه آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وتلك الصدور حادثة وما حصل فيها فهو حادث … وقال فيه: ﴿إِنَّا جَعَلْتَهُ قُرْهَنًا عربيّا﴾ [الزخرف: (13)، والمجعول مخلوق ". وذهب أكثر الأشاعرة إلى القول بعدم كلام الله القائم بذاته المعبر عنه عندهم بالكلام النفسي القائم به تعالى. وأما الحروف والأصوات فهذا محدث عندهم وليس بقديم فهم موافقون للإباضية في الحروف والأصوات، ولأهل الحديث من جهة وللإباضية أيضاً في إثبات صفة الكلام الله تعالى. وذهبت الحنابلة وأهل الحديث في الجملة إلى أن القرآن كلام الله قديم وليس بمخلوق ولم يميزوا بين صفة الكلام القائمة بالله تعالى وبين القرآن المكتوب بالمصاحف المقروء بالألسن المسموع، بالآذان فقالوا كل ذلك قديم وهو مذهب بعض إباضية المشرق لأنه صفة ذات وصفات الذات قديمة، وذهب الحافظ ابن تيمية رحم الله إلى القول بأن كلام الله قديم الجنس حادث النوع.

(1) انظر: مشارق أنوار العقول 58/ 2 دار الجيل، بيروت. (2) انظر: مشارق أنوار العقول 58/ 2 دار الجيل، بيروت.