تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
الجزء ١ · صفحة ٣٨٦386
تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
الفرع الرابع: (فوائد المتشابه)
للمتشابه فوائد ذكرها الإمام فخر الدين الرازي الله في الوجوه التالية: الوجه الأول: لما كانت المتشابهات موجودة كان الوصول إلى الحق أصعب وأشق، وزيادة المشقة توجب زيادة الأجر والثواب قال الله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن
تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّبِرِينَ} [آل عمران: 1142.
الوجه الثاني: لو كان القرآن محكماً بالكلية لما كان مطابقاً إلا لمذهب واحد، وكان تصريحه مبطلاً لكل ما سوى ذلك المذهب، وذلك مما ينفر أرباب المذاهب عن قوله وعن النظر فيه. فالانتفاع به إنما حصل لما كان مشتملاً على المحكم وعلى المتشابه فحينئذ ينظر فيه جميع أرباب المذاهب ويجتهد في التأمل فيه كل صاحب مذهب فإذا بلغوا في ذلك صارت المحكمات مفسرة للمتشابهات فبهذا الطريق يتخلص المبطل من باطله ويصل إلى الحق.
الوجه الثالث: إن القرآن إذا كان مشتملاً على المحكم والمتشابه افتقر الناظر فيه إلى الاستعانة بدليل العقل وحينئذ يتخلص من ظلمة التقليد ويصل إلى ضياء الاستدلال والبينة، أما لو كان كله محكماً لم يفتقر إلى التمسك بالدلائل العقلية فحينئذ يبقى في الجهل والتقليد.
الوجه الرابع: لما كان القرآن مشتملاً على المحكم والمتشابه افتقر إلى تعلم طرق التأويلات وترجيح بعضها على بعض وافتقر في تعلم ذلك إلى تحصيل علوم كثيرة من علم اللغة والنحو، وعلم أصول الفقه ولو لم يكن الأمر كذلك ما كان يحتاج الإنسان إلى تحصيل هذه العلوم الكثيرة فكان إيراد هذه المتشابهات جل هذه الفوائد الكثيرة.
والوجه الخامس: وهو السبب الأقوى في هذا الباب أن القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخواص والعوام بالكلية وطبائع العوام تنبو في أكثر الأمر عن إدراك الحقائق، فمن سمع من العوام في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا بمتحيز ولا مشار إليه ظن أن هذا عدم ونفي فوقع في التعطيل فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة