تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
الجزء ١ · صفحة ٣٩٠تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
الأشاعرة، والمعتزلة والإباضية وكثير من الحنابلة كالفتوحي في «شرح الكوكب المنير»، والشيخ مرعي الكرمي وأكثر المقدسيين وغيرهم اعتبروا باب الصفات من المتشابه، وذهب ابن تيمية رحم الله وجماعة من أهل الحديث إلى اعتبار باب الصفات من المحكم. غير أن ظاهر القرآن وواقع الحال يشهدان بصحة مذهب الجمهور وهو أن باب الصفات هو من المتشابه.
أما ظاهر القرآن فهو أن القرآن حدد المتشابه بأنه القسم الذي حصلت فيه الفتنة والتأويل لقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تأويله﴾ [آل عمران: 7].
أما واقع الحال فهو يشهد أن الفتنة ما حصلت في متشابهات القرآن كما حصلت في باب الصفات واتهم الناس فيها بين معطل ومجسم والأمة تموج في خضم هذه
الفتنة إلى الآن ويجري في هذا الباب التبديع والتفسيق والتكفير.
ثم قفز هذا الموضوع إلى علم أصول الفقه لأمرين أو سببين:
الأمر الأول: أدخلوه في باب الدلالات أي دلالات الألفاظ على معاني الأحكام فوضعه الحنفية في باب واضح الدلالة حيث صنفوا واضح الدلالة إلى محكم، ومفسر ونص، وظاهر، أما خفي الدلالة فهو عندهم المتشابه، والمجمل، والمؤول، ففي هذا الباب اضطروا لبحث موضوع المحكم والمتشابه.
والأمر الثاني: تناولوه أثناء بحثهم في باب التأويل لأن التأويل فرع عن وجود المتشابه.
وسوف يأتي بيان ذلك في مبحث التأويل.
ماذا أفاد دخول المحكم والمتشابه في الأصول.
المتشابه في الشريعة باب ابتلاء ابتلي به المسلمون، فمن صدق وكف عن الخوض وسلم بالعجز وآمن بأنه من عند الله استأثر الله بعلم حقيقته وأمر اللفظ على ظاهره وليس على ظاهر معناه فقد سلم.