تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
الجزء ١ · صفحة ٤٠١الفصل الرابع: في أثر علم الكلام في علم أصول الفقه
2 - 1
القسم الثاني: خفي الدلالة، وهو المتشابه، والمجمل، والمشترك، والمؤول. وقد استثمر الأصوليون مبحث التأويل كما رأينا في تأويل مشكل الحديث استثماراً جيداً، فصححوا به مذهبهم تارةً وردوا به على خصومهم تارة أخرى فكان بحثه في الأصول من الأبحاث المجدية لرسم أصول الدستور المنظم في فهم النصوص، ولا سيما مع المباحث الدلالية الأخرى التي شكلت منهجاً متكاملاً في فهم النص وترتيب دلالاته من منطوق ومفهوم، ومحكم ومتشابه وظاهر ومؤول وصريح وعام وخاص إلى غير ذلك من مراتب الدلالة التي يُفشَرُ بها كتاب الله وسُنَّة رسوله.
وبالرغم من أن الأصوليين أفادوا من مباحث التأويل في تفسير النصوص وفي باب الدلالة بشكل خاص، إلا أن بعض الأصوليين وسع دائرته في الأصول فأدخله في باب الصفات وأقحم باب الصفات في مباحث الأصول، فأحدث من الاضطراب والخلاف ما أحدثه مبحث المتشابه من التضليل والتبديع مما جنح بكثير من العلماء إلى الدعوة لعدم الخوض في التأويل وإيثار القول بالتفويض خروجاً من الخلاف الجاد في مسائل لا يعلم تأويلها على الحقيقة إلا الله تعالى.
الفرع الخامس: أقوال أئمة العلم في التفويض
والمقصود من التفويض رد علم المتشابه إلى الله لكون الله قد استأثر بعلمه لقوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبَّنَا) [آل عمران (7) فالراسخون آمنوا به مع كونهم لا يعلمون تأويله والحكمة منه الابتلاء. وهذا دليل على أن باب الصفات واقع في قسم المتشابه والدليل على ذلك أن الفتنة والتأويل ما وقعا إلا في هذا الباب، وإذا كان باب الصفات من المتشابه فالحكم فيه أن يرد علمه إلى الله تعالى.
وقد أشار العلماء إلى ذلك، يقول العلّامة محمد بن أحمد الفتوحي الحنبلي في «شرح الكوكب المنير وعكسه أي عكس المحكم المتشابه وهو ما لم يتضح