تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
الجزء ١ · صفحة ٤٠٣الفصل الرابع: في أثر علم الكلام في علم أصول الفقه
403
وهذا نص صريح من الإمام الذهبي على أن السلف فوضوا علم المتشابه إلى الله ورسوله فهل يصح بعد هذا أن يقال: إن عقيدة التفويض شر من عقيدة التجسيم والتشبيه كما يقول الإمام ابن تيمية؟!.
وقال الذهبي في موضع آخر: «نعوذ بالله من التشبيه ومن إنكار أحاديث الصفات فما ينكر الثابت منها مَنْ فَقُة ولكن بعد الإيمان بها هنا مقامان مذمومان، الأول: تأويلها وصرفها عن موضوع الخطاب فما أولها السلف ولا حرفوا ألفاظها عن موضعها بل آمنوا بها وأمروها كما جاءت المقام الثاني: المبالغة في إثباتها وتصورها من جنس صفات البشر وتشكلها في الذهن فهذا جهل وضلال وإنما الصفة تابعة للموصوف، فإن كان الموصوف لم نره ولا أخبرنا أحد أنه رآه مع قوله لنا: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ) [الشورى: 11]».
فكيف بقي لأذهاننا مجال في إثبات كيفية الباري تعالى الله عن ذلك، فكذلك
صفاته المقدسة نقر بها ونعتقد أنها حق ولا نتمثلها أصلاً ولا نتشكلها.
قلتُ: فلم يبق بعد هذين المقامين المذمومين وهما: المبالغة في التأويل، والمبالغة في الإثبات إلا مقام واحد وهو مقام الإيمان بها مع التفويض.
موقف الإباضية من التأويل
الإباضية كالأشاعرة يؤولون الصفات التي ظاهرها التشبيه بحملها وردها إلى
المحكم.
وقد قسموا المتشابه إلى مجمل وغير مجمل، فأما غير المجمل وهو ما كان ظاهره التشبيه فحكمه أن يرد إلى المحكم لقوله تعالى: ﴿مِنْهُ وَايَتٌ تُحكَمْتُ هُنَّ أُمُّ الْكِتَبِ وَأُخَرُ مُتَشَبِهَتُ﴾ [آل عمران: 7] وأم الشيء أصله وأصل الشيء الذي يرجع إليه سائره، فالمحكم هو الذي يرجع إليه سائر الكتاب.
(1) سير أعلام النبلاء» 27/ 9.