تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
الجزء ١ · صفحة ٤٠٤404
تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
وأما المجمل وهو الذي لم يتضح معناه فحكمه الوقوف عن القول فيه ومن الحكم بالمراد منه إلا بدليل يظهر المراد منه.
فهم موافقون لجمهور أهل العلم في الوقف فيما لا يعلم تأويله والمراد منه. أما مسألة رَدّ المتشابه إلى المحكم فقد قال بهذه القاعدة جمهور أهل السنة في نوع من المتشابه مثل الآيات والأحاديث الواردة في القدر ونحوه كقوله تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ كَثِيرًا} [البقرة: (26)، وقوله: {يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ) [النحل: 93] ونحو ذلك من الآيات التي ظاهرها أن الضلال مقدر على العبد، فمثل هذه الآيات حكمها أن ترد على مثل قوله تعالى: {وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ) [إبراهيم (27)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: 40]. فالإباضية والجمهور متفقون في الجملة وإن اختلفوا في التقسيم والتفصيل إذ لا مشاحة في الاصطلاح.
وبهذا يتضح أن تفويض المتشابه إلى علم الله ورده إلى المحكم يمكن أن يخفف من حدة الصراع وحمأة التكفير والتضليل الحاصلة من الخوض فيما لا يعلم تأويله إلا الله، لذلك رأينا الصحابة لم يخوضوا في المتشابه وكانوا يقولون: هذا مما ينتهي إليه ولا يسأل عنه.
ولما سأل صبي عمر عن مسائل في القدر أوجع رأسه بالدرة حتى خرج منه الشيطان، لذلك لم يظهر أثر للخلاف في هذه المسألة في عصر النبوة المبارك أخذه المسلمون عن أهل الكتاب فيما يسمى بعصر النقل
ولا في عصر الخلفاء حتى
والترجمة عن اليونان والإغريق.
الفرع السادس: تقويم هذه الدراسة
أريد في هذا المبحث القيام بدراسة تقويمية للمسائل التي سبق الكلام عليها كمسألة تكليف المعدوم، ومسألة التحسين والتقبيح العقليين، ومسألة تكليف
(1) انظر: «طلعة الشمس 341/ 1.