تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
الجزء ١ · صفحة ٤٠٥الفصل الرابع: في أثر علم الكلام في علم أصول الفقه
405
الكفار بفروع الشريعة والخلاف في القرآن هل هو مخلوق أو قديم ومسألة المتشابه ومسألة التأويل ونحوها مما لا ينبني عليها فقه لنرى موقعها من الأصول خاصة ومن علوم الشريعة بشكل عام ومدى أثرها في الدين وما حكم الشارع في هذا النوع من الدراسة.
من المقرر في علوم الشريعة أن علم أصول الفقه علم يعنى بالقواعد التي ينبني على الخلاف فيها خلاف في الفروع الفقهية فما لا ينبني عليه خلاف في الفروع الفقهية فوضعها في الأصول عارية كما قال الشاطبي نعم الله.
لذلك يرى الشاطبي زعل الله أن كل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي ويقصد بالعمل ما يعم عمل القلب والجوارح ثم ساق الأدلة على ذلك فذكر من هذه الأدلة استقراء الشريعة بحيث رأينا الشارع يعرض عما لا يفيد عملاً مكلفاً به، ففي القرآن الكريم (يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ) [البقرة: (189) فوقع الجواب عما فيه عمل إعراضاً عما قصده السائل من السؤال عن الهلال في أول الشهر يكون دقيقاً كالخيط ثم يصير بدراً وقوله تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْتَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) [المائدة: 101]، نزلت في رجل قال: من أبي؟ روي أنه عليه الصلاة والسلام قام يوماً يعرف الغضب في وجهه فقال: لا تسألوني عن شيء إلا أجبتكم فقام رجل فقال: من أبي قال: أبوك حذافة (2).
وقال ابن عباس: في سؤال بني إسرائيل عن صفات البقرة: لو نحروا أي بقرة أجزأتهم لكنهم تشددوا فشدد عليهم. ومن هنا نهى النبي عن قيل وقال وكثرة السؤال؛ لأنه مظنه السؤال عما لا عمل فيه.
من الأدلة على ذلك أن الشرع جاء ببيان ما تصلح به أحوال العبد في الدنيا والآخرة على أتم الوجوه وأكملها فما خرج عن ذلك فإنه يدخل على صاحبه الفتنة
(1) «الموافقات المقدمة الرابعة 30/ 1 دار الكتب العلمية.
(2) رواه البخاري باب الغضب في التعليم إذا رأى ما يكره برقم (92).