تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه عند الإباضية والأشاعرة والمعتزلة والحنابلة محمود مصطفى عبود آل هرموش [دارس عن الإباضية]

تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه

الجزء ١ · صفحة ٤٢٥

الفصل الرابع: في أثر علم الكلام في علم أصول الفقه

425

وذلك عندما بدأ المذهب الإسماعيلي يظهر على ساحة الأفكار الإسلامية ويهدد وحدة الشيعة بالتمزق الداخلي وكان المذهب الإسماعيلي يرى أن الإمامة الإلهية مستمرة بالصورة التي أرادها الله منذ الأزل وهي في نَسل علي وأولادِهِ حَسْبَ التسلسل الزمني وهذا يعني أن الإمام الأب الشرعي الذي هو إسماعيل فلا يجوز لأبيه جعفر الصادق أن يعين موسى ابنه الأصغر بل تنتقل الإمامة إلى الابن الأكبر الذي هو من ظهر إسماعيل، وبما أن الشيعة تبنّت فكرة الإمامة الإلهية، فلكي تخرج من هذا المأزق قالت بفكرة البداء لكي تُلْقِي المسؤولية في انتقال الإمامة من إسماعيل بن جعفر إلى أخيه موسى بن جعفر متجاوزة ابن إسماعيل الأكبر على الله تعالى لأمر بدا له سبحانه حسب اعتقاد الشيعة. أما الإسماعيليون فلا يزالون يعتقدون أن الإمامة في نسل إسماعيل ولم يحيدوا عن هذا المنحى الذي أملاه عليهم مذهبهم.

وبهذا يتضح أن فكرة البداء من مسائل علم الكلام رافقت الخلاف الذي أثير حول تغير مسار الإمامة عند الشيعة ثم قفزت إلى مباحث علم أصول الفقه حين أنكرت المعتزلة النسخ زاعمة أنه يؤدي إلى القول بالبداء في حق الله، في حين أن الأشاعرة والإباضية بينوا الفرق بين البداء والنسخ وأن القول بالنسخ لا يلزم منه القول بالبداء لأن الله يعلم أن الحكم المنسوخ سيتغير إلى حكم آخر قد جعل الله له غاية في علمه سبحانه فلم يبد له ما كان خافياً فهو يعلم من الأزل أن الحكم يستمر إلى زمن وسوف يتغير حسب ما تقتضيه الحكمة الإلهية.

وبذلك يظهر أن فكرة البداء لا يقول بها أحد من المذاهب الإسلامية سوى الإمامية. تقويم هذه المسألة:

إذا أردنا تقويم هذه المسألة من حيث النفع والضرر فإننا نجزم أنها فكرة عديمة الجدوى في الأصول والفروع.

أما في الأصول، فإنها فكرة تقوم على انتقاص علم الله وحكمته وإن حاول الشيعة تقوية هذه الفكرة بعلم الكلام ليقربوها من فكرة النسخ وحاولوا أن يستدلوا

لها بقول الله تعالى: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَبِ) [الرعد: 39].