تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
الجزء ١ · صفحة ٤٢٧الفصل الرابع: في أثر علم الكلام في علم أصول الفقه
427
وأكثر قواده ورجعت فلوله إلى المختار وقالوا له: لماذا وعدتنا بالنصر على عدونا؟ فقال المختار كان الله قد وعدني بذلك لكنه بدا له غير ذلك.
قال الشهرستاني: «وإنما صار المختار إلى القول بالبداء على الله لأنه كان يدعي أنه يوحى إليه أو يحدث برسالة من الإمام فكان إذا وعد أصحابه بكون شيء أو حدوث حدث فإن وافق قوله جعله دليلاً على صدق نبوته وإن لم يحدث قال: بدا لربكم. والدليل على أن فكرة البداء يهودية المنشأ ما جاء في التوراة: إن الله يخلق الخلق
ويأمر الأمر أو يفعل الفعل ثم يبدو له عكس ما أراد فيحزن على ما فعل وأمر. جاء في «سفر التكوين»: ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر على الأرض وإنما تصور كل أفكار قبله إنما هو شرير يحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض وتأسف في قلبه، فقال الرب أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته وبهائم ودبابات وطيور السماء حزنت أن قد عملتهم)
وتأسف الرب وحزنه على خلق الإنسان وإيجاده وعدم علمه بما سيحدثه ذلك الإنسان من الشر مع ندمه على هذا الخلق وإرادة محوه عن وجه الأرض هذه الأوصاف هي التي كونت فكرة البداء بشكل صريح وأن الله قد بدا له ما لم يكن يتوقعه ويعلمه فغير أمره وإرادته بناءً على ما بدا وظهر ولا شك أن من اعتقد هذا الاعتقاد أنه كافر بالله تعالى لأنه ينسب الجهل إلى الله تعالى.
ويذكر ابن حزم رحم الله أن كتب اليهود تروي أن الله و قال لموسى: دعني أغضب عليهم - أي: بني إسرائيل - أقدمك على أُمةٍ عظيمة وأن موسى رغب إليه وقال: نذكر إبراهيم وإسرائيل وإسحاق عبيدك الذين خلقتهم بيدك وقلت لهم: سأكثر من ذريتكم حتى تكونوا كنجوم السماء وأورثتهم جميع هذه الأرض التي وعدتهم بها فخنّ السيد ولم يتم ما كان أراد من المكروه بأمته (3).
(1) الملل والنحل 148/ 1 و 149.
(2) «الإصحاح السادس 6 - 7 - 08
(3) الفصل في «الملل والنحل، لابن حزم 143/ 1.