تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
الجزء ١ · صفحة ٤٣٢432
تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
زعمهم عن الظلم والجور وفي ذلك يقول عبد الجبار وأحد ما يدل على أنه تعالى لا يجوز أن يكون خالقاً لأفعال العباد هو أنه في أفعال العباد ما هو ظلم وجور فلو
كان الله خالقاً لها لوجب أن يكون ظالماً جائراً تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً». وقد رد الإمام ابن تيمية على هذا الكلام بقوله: وأما كون الفعل قبيحاً فمن فاعله فلا يقتضي أن يكون قبيحاً من خالقه، كما أن كونه أكلاً وشرباً لفاعله فلا يقتضي أن يكون أكلاً وشرباً لخالقه، لأن الخالق خلقه في غيره لم يقم بذاته فالمتصف به من قام به الفعل لا من خلقه في غيره كما أنه لو خلق لغيره لوناً أو ريحاً أو حركة أو قدرة كان ذلك الغير هو المتصف بتلك الحركة، والمتلون بذلك اللون، والعالم بذلك العلم والقادر بتلك القدرة، فكذلك إذا خلق في غيره كلاماً أو صلاة أو صياماً أو طوافاً لأن ذلك الغير هو المتكلم بذلك الكلام وهو المصلي والصائم والطائف وبهذا يظهر أن جهة خلق الشر غير جهة فعله فالله خلق القتل والعبد اتصف به
ففعله هذا ما قرره ابن تيمية في هذا المقام.
وهذا قَريب من نظرية الكسب عند الأشاعرة حيث أثبتوا الكسب للعبد والخلق والتأثير للرب فالعبد يلقي البذار في التراب والإنبات من فعل الرب قال تعالى: أَفَرَهَ يَتُمْ مَا تَحْرُثُونَ. وَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ: أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} [الواقعة: 63، 64] فأثبت الحراسة وهي الكسب للعباد وأثبت الزرع والإنبات للرب جل وعلا.
وبكل حال فأنت ترى أن المعتزلة قصدوا من مسألة وجوب الأصلح على الله ومن مسألة نفي خلق الله لأفعال العبد تنزيه الرب عن الظلم والقبح والمسألة من مشکلات علم الكلام وما دام القول فيها محصوراً في الغلط والخطأ فالخطب يسير ما دام أنه لم يصل إلى التكفير والتفسيق.
وما دامت المعتزلة تقول: إن العبد يخلق فعل نفسه بقدرة من ربه فهم قائلون ضمناً بأن الله خلقها بطريق التسبب فهي منسوبة إلى الرب مجازاً والجمهور قائلون:
(1) فصل الاعتزال، ص 63.
(2) منهاج السنة» 285/ 1.