تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
الجزء ١ · صفحة ٤٤٩الفصل الخامس: في علم الجدل
449
ب - المسألة الثانية: الاعتراض على الحنفية في قولهم: إن دلالة العموم قطعية حتى منعوا من تخصيصه بخبر الواحد أو القياس.
خصص
فيقول الجمهور من الإباضية والمالكية والشافعية والحنابلة: لا نسلم بذلك لأن كثرة التخصيص في الشريعة من شأنه أن يضعف دلالته فقد قيل: ما من عام إلا وقد هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن كون دلالة العموم ظنية فهي طريق إلى جواز تخصيصه، والتخصيص إعمال للعام والخاص معاً، أما عدم التخصيص ففيه إعمال لأحد الدليلين وإهمال للآخر، ولا جرم أن إعمالها أولى من إهمالهما أو إهمال أحدهما بالكلية.
مثال: تخصيص العموم بخبر الواحد قوله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5] مع قوله: «لا تقتلوا طفلاً ولا امرأة الحديث، فقد تعارض العموم في الآية مع الخصوص فيقدم الحنفية دلالة العموم لأنها قطعية عندهم فيعترض الجمهور بأن هذا يلزم منه إهمال الخبر بالكلية وإعمال الدليلين كل واحد منهما من وجه أولى من إهمالهما أو إهمال أحدهما بالكلية وهذا) اعتراض صحيح. ومثال تخصيص العموم بالقياس: قوله تعالى: والزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) [النور: 2)، مع قوله في الإماء: {فَإِنْ أَتين بِفَحِشَةِ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ من الْعَذَابِ) [النساء: (25)، فأوجبت تنصيف الحد عليهن وسكتت عن حكم العبيد الذكور، فالجمهور ألحقوا العبيد بالإماء بطريق القياس وخصصوا به العموم، بينما عمل الحنفية بالعموم وأهملوا القياس فاعترض عليهم بأن إعمال الدليلين كل واحد منهما من وجه أولى من إهمالهما معاً أو إهمال أحدهما بالكلية، وهو اعتراض صحيح أيضاً (3).
(1) الحديث رواه البيهقي في السنن الكبرى»، باب ترك قتل من لا قتال له من الرهبان برقم /18151.
(2) «غاية المأمول، ص 550.
(3) «غاية المأمول» ص 550، و «طلعة الشمس» 113/ 1.