تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
الجزء ١ · صفحة ٤٨٣الفصل الخامس: في علم الجدل
483
فإن قيل: إن مفهوم قوله: إذا خطب أحدكم امرأة لا جناح عليه أن ينظر إليها»، إذا كان ينظر إليها للخطبة يدلُّ على أن النظر المباح لأجل الخطبة شيء لم يكن مباحاً لأجل غيرها. قال السالمي: أجيب بأنه لا مفهوم للحديث وإنما هو على حد قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَارِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158].
ومعنى
ذلك أنها خرجت مخرج بيان الواقع فإن الناس كانوا يتحرجون من السعي بين الصفا والمروة لأنهما بين صنمين، يقال لأحدهما: إساف، وللثاني: نائلة فأنزل الله: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَظُوفَ بِهِمَا).
فهذا اعتراض على المفهوم بأنه خرج مخرج بيان الواقع.
المثال الثاني: دخول المشرك المسجد
ذكر السالمي الله اختلاف الناس في دخول المشرك المسجد قال: فعند أصحابنا ومالك يمنعون من كل مسجد. وقال الشافعي يمنعون من المسجد الحرام خاصة، وقال أبو حنيفة لا يمنعون من المسجد الحرام ولا من غيره، قال: الحجة لنا قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَجِدَ اللَّهِ شَهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: 17]. وبقوله: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ … ) [التوبة: (28] الآية، وتطهير المساجد واجب
لقوله تعالى: طَهَرَا بَيْتِيَ لِلطَّابِفِينَ} [البقرة: 125]. واحتج الشافعي بقوله تعالى: {فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) [التوبة: 28] فإن مفهومه يبيح للمشرك دخول ما عدا المسجد الحرام.
واعترضه السالمي بقوله: قلنا: الآية جارية مجرى الحال المعروفة عند العرب فإنهم لا يعرفون من المساجد في ذلك الوقت إلا المسجد الحرام فذكر المسجد
الحرام في الآية لغير التقييد.
(1) معارج الآمال 148/ 2.