تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
الجزء ١ · صفحة ٥٤٦027
تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
وذهب قوم منهم ابن مالك إلى أنّ «الفاء» قد تكون للمهلة بمعنى «ثم» وجعل من ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُحْضَرَةُ إِنَّ اللهَ لَطِيفُ خَبِيرٌ) [الحج: 63]، وردّ بأنها للتعقيب وتعقيب كل شيء بحسبه. وذهب الفَرّاء إلى أنّ ما بعد «الفاء» قد يكون سابقاً إذا كان في الكلام ما يدل عليه كقوله تعالى: وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيْتًا أَوْ هُمْ قَابِلُونَ﴾ [الأعراف: 4]. والبأس في الوجود واقع قبل الإهلاك. وأجيب بأن معنى الآية: وكم من قرية أردنا إهلاكها، كقولهم: «إذا أكلت فسم الله وقيل غير ذلك.
وذهب بعضهم إلى أن «الفاء» قد تأتي لمطلق الجمع كـ «الواو»، وقال به الجرمي في الأماكن والمطر خاصة، تقول: نزلتُ نجداً فتِهامة، ونزل المطرُ نجداً فتهامة، وإن كان ابتداء النزول بتهامة أولاً.
قال المرادي): «وقد اتضح بما ذكرته من هذه الأقوال أن ما نقله بعضهم من الإجماع على أنّ الفاء للتعقيب غير صحيح»، وللفاء العاطفة أحكام يضيق عن ذكرها المقام. أما «الفاء» الجوابية فمعناها الربط وتلازمها السببية، وقال بعضهم والترتيب أيضاً كما في العاطفة، ثم إنّ هذه الفاء قد تكون جواباً لأمرين؛ أحدهما: الشرط «بإن» وأخواتها، والثاني: ما فيه معنى الشرط نحو «أما».
وأما «الفاء» الزائدة فضربان؛ أحدهما: الفاء الداخلة على خبر المبتدأ إذا تضمن معنى الشرط نحو الذي يأتي فله درهم فهذه «الفاء شبيهة بـ «فاء» جواب الشرط، وإنما جعلوها زائدة مع كونها تتضمن معنى الشرط؛ أنّ الخبر مستغن عن رابط يربطه بالمبتدأ، ولكن المبتدأ لما شابه اسم الشرط؛ دخلت الفاء في خبره تشبيهاً له بالجواب، وإفادتها هذا المعنى لا يمنع من تسميتها زائدة.
الثانية: الفاء الداخلة على الفعل المقدَّم معموله في الأمر والنهي، مثل: زيداً فاضربه وعمرواً لا تُهن، فذهب قوم - منهم الفارسي - إلى زيادتها، وذهب قوم إلى
(1) الجنى الداني»، ص 63.