تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
الجزء ١ · صفحة ٥٤٨548
تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
(قلت): نقل الإجماع غير مسلّم فقد نفى المرادي في الجنى الداني نقل الإجماع عن أهل اللغة حيث قال: «وقد اتضح بما ذكرته من هذه الأقوال أن ما نقله بعضهم من الإجماع على أنّ الفاء للتعقيب غير صحيح».
وتأتي عندهم للجزاء، وقد حدث خلاف بين الأصوليين في أنّ «فاء» الجزاء هل تفيد التعقيب أو لا، فذهب أبو إسحاق الإسفراييني إلى القول بأنها تفيد التعقيب، أما الباجي فقال: إنها لا تفيد التعقيب.
ثم اختلفوا في الفاء إذا وقعت في جواب الأمر والنهي هل تفيد التعقيب؟ فذهب الرازي إلى أنها لا تفيد التعقيب (3)، وأما المعتزلة فقالوا: إنها تفيد التعقيب واستدلوا عليه بقوله تعالى: كُن فَيَكُونُ} [مريم: 35].
وتأتي عندهم للسببية، كقوله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَتأُولِي الْأَلْبَب) [البقرة: 197].
بين
النحاة
وبعد عرض الأقوال بهذا الإيجاز؛ يمكن أن نلاحظ أنه لا خلاف واللغويين في استعمالات الفاء، إلا أنّ استعمال اللغويين لها أوسع من استعمال الأصوليين، وأنّ الأصوليين لم يستعملوها زائدة بسبب قاعدة مقررة في علم الفقه والأصول وهي أن: «إعمال الكلام أولى من إهماله»، والحرف إذا كان زائداً فمعنى ذلك أنَّه مُهْمَلٌ لا معنى له ولا فائدة فيه، وهذا ما يُصان عنه كلام الشارع الحكيم كما يُصان عنه كلام العاقل اعتباراً لعقله. كما نلاحظ سلطان الإجماع واشتراك اللغويين مع الأصوليين في الاحتجاج به والنظر في طريقة نقله. وهذا يكشف عن
صلة القربي بين هذين النوعين من القواعد.
(1) الجنى الداني»، ص 63.
(2) شرح الكوكب المنير»، 234/ 1.