تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
الجزء ١ · صفحة ٧٠70
تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
فقدموا الكتاب على السُّنَّة والسُّنَّة على الإجماع وهو على القياس وذلك في رسالة عمر لأبي موسى الأشعري، بل في قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل، وتكلموا في الناسخ والمنسوخ وإن وسعوا مفهومه حتى أدخلوا فيه التخصيص والتقييد، والاستثناء كما نص على ذلك الإمام الدهلوي والشاطبي والمهدوي والقاسمي وذكروا عن ابن عباس قضايا في النسخ لا تصح إلا في اصطلاح السلف ولا تصح في اصطلاح المتأخرين العام. وتكلم الصحابة في الواجب المخير والواجب المرتب، فقال ابن عباس: كل شيء في القرآن (أو) فهو مخيّر، وكل شيء فمن لم يجد) فهو الأول فالأول» مثال ذلك قوله تعالى في خصال الكفارة: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عقدتُمُ الْأَيْمَنَ فَكَفَرَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَرَةُ أَيْمَنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: 89].
فالخصال الثلاث التي هي الإطعام أو الكسوة أو الإعتاق من الواجب المخير الذي يسقط به الواجب بفعل أي خصلة على التخيير، أما صيام ثلاثة أيام فهي على الترتيب لا ينتقل إليه إلا بالعجز عما قبله مثل هذه القواعد معروفة عند الصحابة والتابعين وقد عرفوا الاستحسان ورأوا أن بيع السلم والعرايا إنما هو استثناء من قاعدة تحريم بيع
معانيه
المعدوم كما في السلم واستثناء من قاعدة التمر بالرطب وهذا هو الاستحسان. ونحن لا ننكر أن ثمة قواعد أصولية في كتب الحنفية لاختلافهم في عموم المقتضى وعموم المجاز واختلاف أبي حنيفة مع الصاحبين في خلفية المجاز عن الحقيقة، هل هي باعتبار الحكم كما قال الإمام أبو يوسف ومحمد أو باعتبار التكلم كما هو مذهب الإمام، وكاختلافهم في عموم المشترك وهل يحمل على جميع أو لا، وكاختلافهم في دلالة العام هل هي قطعية أو ظنية إلى ما هنالك من قواعد وجدت في عصرهم أو قبل عصرهم. وبهذا الاعتبار، فمثل هذه القواعد موجودة عند الإمام جابر بن زيد. فتكون مبثوثة في مصنفات الإباضية، هذا أمر لا نزاع فيه.
وإنما النزاع في وضع كتاب مبوب ومرتب على أبواب الأصول كلها، يفصل النزاع الحاصل بين مدرستي الحجاز والعراق ويتناول موضوعات الأصول دقها