تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
الجزء ١ · صفحة ٧٢72
تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
وقال الإمام الرازي حمدلله: اتفق الناس على أن أول من صنف في هذا العلم، أي: أصول الفقه هو الإمام الشافعي وهو الذي رتب أبوابه وميّز بعض أقسامه وشرح مراتبها في القوة والضعف، وقال أيضاً: واعلم أن نسبة الشافعي إلى علم الأصول كنسبة أرسطو طاليس إلى علم المنطق، وكنسبة الخليل بن أحمد إلى علم العروض، وذلك أن الناس كانوا قبل يستدلون ويعترضون بمجرد طباعهم السليمة، لكن ما كان عندهم قانون مخلّص في كيفية ترتيب الحدود، والبراهين فلا جرم كانت كلماتهم مشوشة، ومضطربة فإن مجرد الطبع إذا لم يستعن بالقانون الكلي قلما يفلح، فلما رأى أرسطو طاليس ذلك اعتزل عن الناس مدة مديدة واستخرج لهم علم المنطق ووضع للخلق بسببه قانوناً كلياً يرجع إليه في معرفة الحدود والبراهين، وكذلك الشعراء كانوا قبل الخليل ينظمون أشعاراً وكان اعتمادهم على مجرد الطبع فاستخرج الخليل علم العروض فكان ذلك قانوناً كلياً في معرفة مصالح الشعر و مفاسده، فكذلك هنا كان الناس قبل الشافعي يتكلمون في أصول الفقه ويستدلون ويعترضون ولكن ما كان لهم قانون كلي يرجعون إليه في معرفة دلائل الشريعة وفي كيفية معارضتها وترجيحها فاستنبط الشافعي علم أصول الفقه ووضع للخلق قانوناً كلياً يرجع إليه في معرفة أدلة مراتب الشرع.
قلت: صدق الإمام الفخر ولو كان هناك قانون يعول عليه ويرجع إليه لرجع الناس إليه في وقت مست الحاجة إلى ذلك القانون ولا سيما في زمن احتدم فيه الصراع الفكري بين أهل الأثر وأهل النظر، وقد شاع صيت الشافعي في مناظراته مع شيخه محمد بن الحسن من جهة والمالكية من جهة، وبخاصة شيخه مالك بن أنس ومهارة الشافعي وبلاغته وذكاؤه في ترتيب الأدلة وسبرها ونقدها وتوجيهها اشتهرت بين أهل العلم فهو إمام في اللغة، إمام في القرآن والتفسير، إمام في الفقه، إمام في الحديث، إمام في الأصول لذلك طلب منه العلّامة عبد الرحمن بن مهدي أن يضع كتاباً يكون بمثابة القانون لأهل النظر وأهل الأثر فأجابه إلى طلبه ووضع كتاب
(1) مناقب الإمام الشافعي 57،56.