تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
الجزء ١ · صفحة ٧٣الفصل الأول: في علم أصول الفقه
«الرسالة»، ولو كان ثمة قانون قبله لأرشدهم إليه ودلهم عليه كما دل أحمد بن حنبل أبا ثور وإسحاق بن راهويه على ما كتبه الشافعي في «الرسالة».
عصره
ولو كان هناك كتاب مصنف في الأصول قبل الرسالة لما حدثت هذه الضجة الكبرى، وهذا الاحتفال العظيم بالرسالة وانكباب كبار أهل العلم على شرحها والدعاء للشافعي على ما قدم للأمة في قانونه العظيم. وروي عن علماء كأحمد وإسحاق وأبي ثور والكرابيسي وغيرهم أنهم كانوا يدعون له في سجودهم وعقب صلواتهم على ما قدم لهذا الدين. وقد شهد بذلك علماء الغرب يقول «جولدزيهر» في مقالته كلمة «فقه» في دائرة المعارف الإسلامية: «وأظهر مزايا محمد بن إدريس أنه وضع نظام الاستنباط الشرعي في أصول الفقه، وحدد مجال كل أصل من هذه الأصول وابتدع في رسالته نظاماً للقياس العقلي الذي ينبغي الرجوع إليه في التشريع من غير إخلال بما للكتاب والسُّنَّة من الشأن المقدم. رتب الاستنباط من هذه الأصول ووضع القواعد لاستعمالها بعدما كان جزافاً (1)
وقال كارل بروكلمان في كتابه تاريخ الأدب العربي»: ومذهب الشافعي ينحو إلى الجمع والتوفيق بين مذهب أهل الحديث الذي سار عليه مالك ومذهب أهل الرأي الذي أخذ به أبو حنيفة. ويعد الشافعي مؤسس علم أصول الفقه الذي يرسم المناهج وينظمها لاستخراج الأحكام من أدلتها ويحرر طرق الاجتهاد والاستنباط (2).
وهذان مستشرقان باحثان في تاريخ التأليف عند المسلمين لهم خبرة في الكتب والمخطوطات تفوق التقدير فلو أن أحداً سبق الشافعي لبينا ذلك.
والشافعي صنف كتاباً قرأه أهل العلم ولمسوه بأيديهم وتناقله الخلق عن السلف بالسند المتواتر المستند إلى الحس ولم يؤلف كتاباً وهمياً في ظهر الغيب. قال الجويني حمدالله: «لم يسبق الشافعي: أحدٌ في تصانيف الأصول ومعرفتها وقد
(1) التمهيد لتاريخ الفلسفة لعبد الرزاق ص 235.
(2) تاريخ الأدب العربي، 293/ 3.