تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه عند الإباضية والأشاعرة والمعتزلة والحنابلة محمود مصطفى عبود آل هرموش [دارس عن الإباضية]

تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه

الجزء ١ · صفحة ٧٦

76

تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه

جعل شيخه ابن عباس يقول عنه عجباً لأهل العراق كيف يحتاجون إلينا وعندهم جابر بن زيد لو قصدوا نحوه لوسعهم علماً).

ونظراً لهذه المنزلة أمه الناس للفتوى وطلاب العلم للأخذ عنه، كأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وضمام بن السائب، وأبي نوح صالح الدهان، وعمرو بن هرم وغيرهم. وبرع في التفسير والحديث، ولما كان ابن عباس شيخاً لجابر بن زيد كان حافظاً، أصوله، وعبد الله بن عباس مفسر لا يوجد في الصحابة أعلم منه في التفسير، وهو القائل ما من آية نزلت إلا وأعرف متى نزلت وفيمن نزلت، وصرح أكثر من مرة عقب قوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّا اللهُ} [آل عمران: 7] أي: ما تشابه من القرآن قال ابن عباس أنا ممن يعلم تأويله».

فلزم من ذلك أن يعلم نصف الأصول لأن معرفته بتاريخ النزول يلزم عنه معرفة الناسخ والمنسوخ ومعرفة التأويل يلزم عنها معرفة العموم والخصوص، ومعرفة المطلق من المقيد ومعرفة المجمل من المبين وإلا لم يكن عالماً بالتفسير، وكان يعلم العام إذا نزل على سبب خاص وفي ذلك روايات صحيحة وصريحة عنه، من ذلك أن مروان بن الحكم لما قرأ قوله تعالى: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا) [آل عمران: 188] لنعذبن أجمعون، وأرسل في تفسيرها إلى ابن عباس فقال: ليس الأمر على ما فهمت بل إن هذه الآية نزلت في رهط من اليهود دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم فسألهم عن شيء فكتموه وخرجوا من عنده وهم يظنون أن النبي حمدهم فنزلت الآية.

وهذا العلم انتقل إلى جابر بن زيد وضمنه رسائله وآثاره وفتاويه. هذه الأصول حملها عنه تلاميذه الذين أخذوا العلم عنه والذين أطلق عليهم حملة العلم ونشروها في البلاد التي انتقلوا إليها.

وبعد وفاة الإمام جابر بن زيد الا الله عام ثلاثة وتسعين للهجرة، انتقلت رئاسة المدرسة الإباضية إلى تلميذه أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة). الذي كان سياسياً

(1) الطبقات 205/ 2 و «السير» للشماخي 67/ 1.

(2) «السير» للشماخي 86/ 1.