الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ١٨٨الشواظ من النّار لا يسأل عن ذنبه غيره ولا أحد سواه، ﴿لَّا يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ إلا هو؛ وذلك لأن الكناية لا تتقدم المكنى عنه.
وثانيها: أن السؤال يكون على وجوه: أحدها سؤال استفهام، وثانيها سؤال استخبار، وثالثها سؤال مطالبة به، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:34]؛ أي: مطالبا، ورابعها سؤال توبيخ لغير المسؤول، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُ دَةُ سُئِلَتْ (9) بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:9]، أفيجوز أن يكون السؤال المنفي بقوله: ﴿لَّا يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ سؤال الاستعلام(1)؟ فالله تعالى لا يستفهم أحدا عن شيء ولا يستخبر؛ لأنه عالم الغيوب، وأما السؤال الذي هو توبيخ وتقريع، وهو نحو قول القائل: لم فعلت كذا؟ وما الذي حملك على كذا؟ فهو جائز منه تعالى، وهذا الوجه هو المعنى بقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ لأنه عالم بجميع ما فعلوا، فلا يسأل إلا على سبيل التوبيخ والتقريع للمسؤول أو غيره، وأما السؤال على جهة توبيخ الغير فنحو قوله لعيسى - عليه السلام -: ﴿ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة:116]، وعلى هذا الوجه معنى قوله تعالى: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾.
وثالثها: أن يكون المنفي بقوله تعالى: /168/ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن:39] يرجع إلى غيره، كأنه يعني أن الملائكة لا تسأل أحدا عن ذنبه؛ لأنّ قوله مجهول، وليس فيه ذكر من سألهم، إلا أنّ ما
(1) ث، ق: الاستفهام.