الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ١٩٢على الغفران والتعذيب، وأنه يملك ذلك من غير أن يتعذر عليه شيء منها.
وبعد: فإنه مجمل، وقد علّق الغفران والعذاب بالمشيئة، ثم فسر من الذي يشاء أن يغفر له، ومن يشاء أن يعذبه؛ بما ورد من آيات الوعد، وآيات الوعيد في غفرانه للمؤمنين، وغفرانه للتائبين، وتعذيبه للكافرين والظالمين، فأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ فليس في ذلك ما ينبئ على الوجه الذي عليه يغفر، وقد دلت الدلالة من العقل والقرآن أنه يغفر على وجه التوبة، وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِي﴾ فإنما يريد أنه لا يغفر ذلك تفضلا؛ وذلك لأنه دلالة العقل والكتاب قائم على أنه لا يجوز أن يغفر للمصر، ودلنا على وجوب غفران ذنوب التائب، ودلالة العقل كالمشروط في الآية، وقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ فليس فيه بيان من الذي يشاء أن يغفر له، وقد بينا ذلك في فصل الوعيد.
ومن ذلك /172/ قوله تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:103]، قالوا: فنقضه بقوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:23]؛ لأنّ قوله: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ عام لا تخصيص فيه.
الجواب: قد بينا في فصل التوحيد أن قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ لا يقتضي الرؤية ولا يدلّ عليها بما يغني عن الإعادة، وفسرنا ذلك على ما يوافق قوله تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ فسقط التعلق.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة:7] الآية، وقال أيضا تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:16]، وقال أيضا: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب﴾ [العلق:19]، ثم نقض ذلك بقوله: {ءَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ