الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ١٩٣الْأَرْضَ} [الملك:16]، وبقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:5].
الجواب: إن قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾، إنما هو على معنى العلم، وذلك كما يقول: "أنا معك"؛ أي: أعلم ما تفعله، ويقال: إن ذلك بمعنى "أنا ناصرك"؛ لأن العقل قام على أنه لا يجوز أن يكون في مكان على الحقيقة، وقد بيّنا معنى قوله: ﴿أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك:17]، وكذلك قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ما يغني عن إعادته، فسقط التعلق.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد:36] الآية، ثم نقض ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الدخان:38]، قالوا: فأوجب /173/ بأحدهما أنه لعب، ونفى بالثاني أن يكون خلقه لعبا.
الجواب: إنه لا تناقض في ذلك؛ لأن قوله: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يعني أنّها غير باقية، وأنها كاللعب الذي لا يدوم. والآخر: إن الاقتصار على الحياة الدنيا كاللعب الذي لا يفيد ولا يثمر، وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾؛ أي: لم يخلقهما للاقتصار على الحياة الدنيا فتكون لعبا إذا كانت غير باقية ولا مثمرة، والآيتان متّفقتان على الحياة الدنيا، فالآيتان متّفقتان في النهي عن الاقتصار على الحياة الدنيا، والزجر عن طلبها دون القصد بها إلى الآخرة.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ [آل عمران:13]، قالوا: فنقضه بقوله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ [الأنفال:44].