الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٢٠٨ذلك مني"؛ أي: لم أفعله، وكذلك قولهم: [ما علم](1) الله من ذلك قليلا ولا كثيرا"؛ أي: هو كذب وباطل، وإذا كان كذلك فإنما يعني به في هذه الآيات حصول تلك الأفعال، فجعل العلم الذي يكون عند حصولها عبارة عنها، وترك ذكر حصول الأفعال، كأنه قال: "حتى يعلم المجاهدين منكم والصابرين"؛ أي: يجاهد المجاهدين والصابرين؛ لأنهم إذا جاهدوا وصبروا علمه الله، ولا يجوز أن يعلمهم مجاهدين قبل الجهاد، وإن كان عالما بالذي سيجاهدوه، وعلى أنه لم يقل: "حتى يعلم من سيجاهده" /189/ وإنما قال: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:142]، وإنما يعلمهم مجاهدين بعد جهادهم، كما أنه يعلمهم سورا بعد كونهم كذلك، وأما قوله تعالى للملائكة (ولعيسى - عليه السلام - ما ذكره، فإن لفظ الاستفهام يجيء على وجوه: أحدها: الاستخبار، وهذا لا يجوز على الله تعالى. وثانيها: التوبيخ والتقريع، كقول القائل: "أفعلت كذا؟ " على وجه التوبيخ. وثالثها: بتكبّت الغير وتقريعه، نحو هذه الآية في باب الملائكة وعيسى (. ورابعها: النفي، كقوله تعالى: ﴿أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس:47]، فالله تعالى لا يستخبر، ولكنه تبكيت لمن عبد عيسى، وإبطال لزعمهم أنه أمرهم بذلك، وكذلك في باب الملائكة إنما هو تبكيت من كان يعبد الأصنام زاعما أنه صورة الملك، وأن عبادته عبادة الملك.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:29] الآية، قالوا: فنقضه بقوله: {ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ
(1) زيادة من ث.