قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 03

الجزء ٣ · صفحة ٢١٩

فالله تعالى كرر تلك القصص بألفاظ أخرى، وبنظم سوى النّظم الأول؛ ليعلم أن الإتيان بمثله غير مستحيل وأنه ممكن، وإنما العجز عن ذلك من قبل العباد، ليصح أنه مقدور لله تعالى يختص به.

وأما التكرار بإعادة /200/ اللفظ بعينه نحو قوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر:3]، وكذلك قوله: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (34) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة:34،35]، فإن ذلك على وجوه:

أحدها: أن يكون في مكان واحد، وقد جرت عادة العرب بذلك للاتساع والتأكيد، وتفخيم الأمر، وتعظيم البيان؛ ولذلك وضعوا حروفا مخصوصة للتأكيد، كقولهم: "أجمعون وأكتعون" فيعطف أحدهما على الآخر، وقد وضعوا حروفا للاتباع، نحو قولهم: "حسن سن"، و"كيد وبيد"، فتارة يؤكدون ما يريدون تأكيده بتكرير اللفظ بعينه، كقولهم: "الأسد الأسد"، وتارة يؤكدون بحروف التأكيد، وتارة بحروف الاتباع على غير لفظ الأول، كقول عمر بن كلثوم:

ومَتْنَيْ لَدْنَةٍ سَمَقَتْ وطَالَتْ … رَوَادِفُهَا تَنُوءُ بِمَا وَلِينَا(1)

وقد ذكرنا وجوه التّكرار في الفصل الأول بما يغني عن إعادته، وليس يعيب أمثال ذلك إلا جاهل بعادات العرب ومخاطباتها، ومجازي كلامها في محاوراتها.

وبعد: فإن ذلك مما يحسن النظم ويزيد الكلام بهاء وحسنا، ولو كان ذلك معيبا لوجب أن يعاب جميع أهل اللغة إذا لم يخل كلامهم من استعمال أمثاله، وكذلك كلام خطيب مسقع، ولا شاعر مجيد، /201/ ولا كاتب بليغ، ولولا كراهية التطويل لأوردت كثيرا من أمثالهم نثرا ونظما ما يورث الملال.

(1) هذا في ث. وفي الأصل، ق: الثوب.

١٬٠٣٢ / ٣٦٬٧٥٥