الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٢٢٣أفعاله، وليس هذا مقالة الحكيم الصادق.
الجواب: إن لفظ العمل قد يقع على المعمول، وقد يقع على المأمور به، ألا ترى أنهم يقولون لمن ترك ما أمر به: "ارجع إلى عملك" و"ليس هذا من عملك"، و"لمَ تركت عملك"، و"عملك أولى بك"، و"فلان ليس يعمل عمله" /204/ وأشباه ذلك، وإذا كان كذلك فقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ عنى به المأمور دون المعمول، وقد عاب الشيطان في تزيينه لهم بما كانوا يعملون، فلا يدخل نفسه فيما عابه به، ويدل على صحة هذا التأويل أن ما قبل الآية ينبئ عنه؛ لأنه قال: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:108] كذلك الآية، لما نهى عن سب آلهتهم بيّن الغرض في ذلك، والسبب الذي لأجله نهى عن ذلك، كي لا يتوهم متوهم أو يظن ظان أنه نهى عن سبّهم لفضلهم، أو لمعنى فيه، أو لفائدة تجب ترك سبهم، فبيّن الله تعالى أنه إنما نهى عن سب آلهتهم؛ لأنهم إذا سبوهم سبوا الله الكفرة والمشركون، فكان سبُّ المؤمنين آلهتهم كالسبّ المؤدي إلى سب الله والباعث عليه، فنهى عن ذلك، ثم قال: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾؛ أي: كهذا الذي بيّنته لكم، وعرفتكم السبب في النهي عن سب آلهتهم، وبيّنت الغرض فيه، ﴿زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ الذي أمرتهم به؛ لأن هاهنا التّزيين إنما وقع في المأمور لا في المعمول.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المائدة:48] الآية، قالوا: فإذا كان قد جعل لكل أمة منهم شرعة ومنهاجا، فكيف يعيبهم ويلومهم، وقد بيّن أنه لو شاء /205/ لجعلهم أمة واحدة؟