الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٢٢٥والدلالة لا تكذب، ولذلك قال: ﴿وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ مخاطبة للكفار في جهلهم في تنزيههم خالقهم، وحيث أهملوا النّظر وأغفلوا الفكر، ولو كان ذلك قولا بالحقيقة وكلاما لقال: ولكن لا يسمعون تسبيحهم.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِن دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل:49]، قالوا: وجدنا أكثر الناس لا يسجدون، بل يسجدون لغيره أو لا يسجدون لأحد.
الجواب: إن السجود في أصل اللغة الانقياد للغير وترك ممانعته، ولذلك قال الشاعر:
بجمْعٍ تَضِلُّ البُلْقَ في حَجَراتِهِ … ترى الأُكْمَ منها سُجَّداً للحوافِرِ(1)
يعني أنّ الأكمام لا تمنع على الحوافر في سلوكها، فمعنى الآية أن جميع ما في السموات والأرض منقادة لقضاء الله وقدره، لا يمنع عليه ممتنع، وهم لا يستكبرون، فإنما يرجع الكناية في ذلك إلى الملائكة دون من تقدّم ذكرهم، ولذلك(2) قال: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل:50]؛ أي: مع انقيادهم لقضائه وقدره، يفعلون ما يأمرهم به. /207/
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء:76]، وقال في آية أخرى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ:20] الآية، قالوا: فكيف يكون ضعيفا في باب الكيد، وقد أغوى