الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٢٢٧عمران:54]، وكذلك قال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:183]، وكذلك قال: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:142]، وكذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة:15]، وكذلك قوله تعالى: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة:79]، قالوا: وهو الخالق العالم الغني، فكيف يجوز أن يفعل هذه الأفعال القبيحة من المكر والكيد والاستهزاء والسخرية؛ إذ جميعه مذموم عند الجميع، وكيف وصف نفسه به وتمدح به؟
الجواب: إنّا قد بيّنا في غير موضع أن من عادة العرب أن يسمى الابتداء باسم العاقبة، كقولهم: الجزاء بالجزاء، والأول ليس بجزاء، وتسمى العاقبة باسم الابتداء كقول القائل:
فإن الذي أصبحتمو تحلبونها … دم غير أن اللون ليس بأشقرا
فوصف اللبن المحلوب بأنه دم، لما كان مأخوذا بدل الدم، إذا كان هؤلاء أخذوا دية قتيلهم إبلا يحلبونها، خصوصا فيما يجري مجرى العقاب على الشيء، وقد مر في ذلك غير موضع، وإذا كان كذلك فالله تعالى سمّى معاقبة كلّ من هؤلاء باسم فعله وصف به، فوصف عقاب الخداع خداعا، والعقاب على المكر مكرا، وعلى السخرية سخرية، /209/ وعلى الاستهزاء استهزاء، وإذا كان كذلك سقط التعلق للخصم به في الطعن.
ومن ذلك ما ادّعوا أنه أقسم بالأشياء الخسيسة نحو: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين:1] وأشباه ذلك.
وبعد: فإن الحالف إنما يحلف حيث يجوز عليه، وفيما يرتاب به، فكيف يجوز أن يقسم بما هو دونه.
الجواب: أما قولهم: "إنه يقسم حيث يرتاب" فاعلم أن القسم على وجهين: